أستفادت صناعة الطيران الرومانية في بدايتها من موهبة وخبرة عدد من المهندسين البارعين من أمثال تودرو فيانو و أوريل فلايبكو وهنري كواندا . فتودور فيانو وأوريل فلايكو هما من رواد الطيران بعد أن قام كل واحد منهما برحلات جوية بطائرة كانا قد صممها و صنعها بنفسه. نتوقف اليوم عند إنجازات المهندس هيرمان أوبرت -عالم الفيزياء الروماني من أصل ألماني وصانع الصواريخ الذي يعتبر إلى جانب الروسي كونستانتين تسيولوكوفسكي و الأمريكي روبيرت كودارد ، مؤسس الملاحة الفضائية .
ولد هيرمان أوبرت في مدينة سيبيو -وسط رومانيا - عام 1884 وانجذب منذ صغره نحو كتب الخيال العلمي فأعجب بقصص جول فيرن وخاصة تلك التي كانت تصور الرحلات الفضائية العجيبة و مغامرات أبطالها في الفضاء مثل "رحلة حول القمر" و"رحلة من الأرض إلى القمر". وضع أول نموذج لصاروخ وهو الرابعة عشرة من العمر ولكنه قرر الالتحاق بكلية الطب التي تركها بعد سنتين فقط .
في عام 1922 قرر كتابة أطروحة دكتوراه حول الصواريخ الفضائية ، وحاول تقديم تلك الأطروحة في جامعة هايدلبرغ الألمانية . إلا أن موضوع الأطروحة كان آنذاك اقرب إلى الأدب الخيال العلمي منه إلى الواقع الملموس فرفضتها هيئة الجامعة . ولم يكن الرفض ليردع العالم الشاب فقدم أطروحته الى جامعة كلوج - غرب رومانيا عام 1923 .
بعد ست سنوات على نيله لقب الدكتوراه نشر بحثا حول سبل الملاحة الفضائية تطرق فيه إلى المواصفات التقنية للتحليق الفضائي . نال عن ذلك البحث جائزة هيرش ، من مؤسسة الطيران الدولية في فرنسا . في السنوات التي تلت اخترع مختلف المناهج التي
يمكن تطبيقها في صناعة الصواريخ . بعد الحرب العالمية الثانية غادر هيرمان أوبريت رومانيا نهائيا واستقر في ألمانيا .
كان هيرمان أوربيرت قد لاحظ أثناء بحوثه أن مخزن الوقود يفرغ تدريجيا بقدر احتراق الوقود بحيث يصبح وجوده غير ضروري أثناء تحليق الصاروخ بل أن المخزن الفارغ يزيد من وزن الصاروخ بشكل غيرمرغوب . فاخترع طريقة احتراق الوقود التدريجي على مراحل ، والذي أصبح لاحقا أحد مبادئ عمل بعض أنواع الصواريخ . حصلنا على مزيد من التفاصيل حول اهتمامات العالم هيرمان أوبيرت من مدير المتحف الوطني التقني في بوخارست المهندس نيقولاي دياكونيسكو :
" بحث أوبرت مختلف أنواع الوقود الخاصة بالصواريخ منها الصلب ، وذلك المتكون من الهيدروجين و الأوكسجين بنسب متفاوتة . في عام 1935 قدم لأول مرة نموذج لصاروخ يعمل بالوقود السائل وذلك في مدرسة قيادة الطائرات في مدينة ميدياش وسط رومانيا. والجدير بالذكر أن تلك المدرسة هي المكان الذي جرب فيه إطلاق أول صاروخ بوقود سائل إلى الفضاء . في عام 1938 وضع هيرمان أوبرث بحثا حول الصواريخ الفضائية مركزا على ضرورة تصميم الصواريخ من عدة أجزاء . وقد استخدمت بعض نتائج ذلك البحث لاحقا في تصميم الرحلات الفضائية . في عام 1950 سافر إلى إيطاليا حيث جرب في قاعدة للبحرية الإيطالية صاروخا يعمل بالوقود الصلب اعتمادا على نتائج بحوثه السابقة. في عام 1953 ألف بحثا عن رحلات الإنسان إلى الفضاء ".
يُجمع الخبراء على أن بحوث ودراسات هيرمان أوبرث تجعله أحد رواد الرحلات الفضائية التي أنجزت في النصف الثاني من القرن العشرين . في عام 1955 تلقى هيرمان أوبرت من الباحث الشهير فيرنر فون براون الدعوة لزيارة الولايات المتحدة وطلب منه أن يضع بحثا في الرحلات الفضائية التي يمكن إنجازها في الفترة المقبلة . بعد سنتين من العمل المكثف قدم له هيرمان أوبرث بحثا حول إمكانية القيام برحلة فضائية من الأرض إلى القمر . مستمعينا الكرام إليكم من أرشيف مركز التاريخ المروي للإذاعة الرومانية مقطعا من حديث أدلى به هيرمان أوبرت لإذاعة أوربا الحرة عام 1970 يدور حول مساهمته في
اختراع التقنيات الخاصة بإطلاق الصواريخ:
"استطعت من خلال بحوثي إيجاد العلاقة بين استهلاك الوقود و السرعة المثالية وبين المدة الزمنية التي تمضي من إطلاق الصاروخ حتى دخوله فلكه الفضائي و تأثير مقاومة الهواء على تحليقه وغير ذلك . واستنادا على تلك الملاحظات وُفقت إلى إيجاد الصيغ الرياضية المعبرة عن تلك العلاقات رغم أن العالم الأمريكي كودارد كان قد قال عام 1919 إنه لا يمكن التعبير عن تلك الظواهر عبر صيغ رياضية وأرقام . وساهمت تلك الصيغ في حل المشاكل التي كانت قد ظهرت أثناء الرحلات الفضائية وكذلك في معرفة أسباب النتائج الضعيفة لبعضها"
بقيت رحلة مركبة أبولو ثلاثة عشر في تاريخ الملاحة الفضائية من بين التجارب الفاشلة بسبب الحادث الذي وقع أثنائها والذي عرض حياة الفضائيين الثلاثة للخطر . علق هيرمان أوبرت أسباب على ذلك الحدث في نفس الحديث قائلا - شريط :
لحسن الحظ أخذ مصممو و صانعي المركبة بعين الاعتبار احتمال عطل بعض أجزائها أثناء الرحلة الفضائية وذلك وفقا لمبدأ تعدد الاحتمالات . وبعد تعطل الجزء الثالث للمركبة تم الالتجاء إلى المركبة القمرية لإنقاذ الفضائيين . بحيث يمكنني وصف ذلك بخطر محسوب سابقا . لا يمكنني القول بأن تعطل الجزء الثالث كان أيضا محسوبا سابقا ولكن ما أريد التأكيد عليه هو أن المراكب الفضائية تصمم و تصنع بطريقة تسمح للفضائيين باستخدام جزءمعين منها في حال تعطل غيره .
في فترة أعوام 1972-1974 قام هيرمان أوبيرت بعدة زيارات إلى رومانيا حيث منح جوائز وشهادات تقربقيمة بحوثه ونشاطاته . في عام 1976 فارق الحياة عن عمر ناهز الخامسة و التسعين . وفي نفس العام افتتح في المتحف الوطني التقني في بخارست قسم للملاحة الفضائية يسلط الأضواء على بحوث ونشاطات هيرمان أوبريت و يقدم للزوار تفاصيل مهمة عن الرحلات الفضائية السوفييتية و الأمريكية .