نظرة الاتحاد الأوروبي إلى مستقبل الطاقة
دخلت عملية التحول الاقتصادي والتكنولوجي بما فيها إنناج واستهلاك الطاقة مرحلة حاسمة بالنسبة للاتحاد الأوروبي
Diana Baetelu, 23.03.2026, 15:30
دخلت عملية التحول الاقتصادي والتكنولوجي بما فيها إنناج واستهلاك الطاقة مرحلة حاسمة بالنسبة للاتحاد الأوروبي في سياق الأهمية المتزايدة لقضايا أمن الطاقة وتغير المناخ والمنافسة العالمية وزيادة تأثيرها على اقتصاده ودوره الجيوسياسي. وقد تبنى الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة استراتيجية طموحة من أجل تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050 وهو هدف يتطلب تحقيقه تغيير نظام الطاقة بشكل جذري ليشمل مصادر الطاقة النظيفة والآمنة بأسعار معقولة.
الاتجاهان الرئيسيان لهذا التحول هما الطاقة المتجددة والطاقة النووية. ولهذا السبب استثمر الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح باعتبارهما غير لللأغير قابلتين للنفاد علاوة على كونهما قليلتي الانبعاثات الضارة. ومع ذلك تواجه كلتاهما تحديات لا يستهان بها ومنها اعتمادهما الكبير على الأحوال الجوية.
إنها وقائع دفعت بروكسل إلى تكثيف الاستثمار في البنية التحتية وخاصة في الشبكات الذكية وتخزين الطاقة والربط بين الدول الأعضاء. وفي هذا السياق عادت الطاقة النووية إلى واجهة النقاش الأوروبي مجددا لسبب واضح هو أن إنتاجها لا ينقطع ولا ينتج كميات كبيرة من الغازات الدفيئة .
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بهذا الصدد :”على مدى العقد الماضي قطعنا شوطا كبيرا لانتاج الطاقة المتجددة بدليل أن كميات الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح تتجاوز كميات الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي. كما أن مصنعي توربينات الرياح الأوروبيين أصبحوا قوة عالمية ويصدرون منتجات عالية التقنية إلى جميع أنحاء العالم.
للأسف الوضع مختلف فيما يتعلق بالطاقة النووية. فبينما كان ثلث كهرباء أوروبا في عام 1990 يأتي من الطاقة النووية إلا أن هذه النسبة لا تتجاوز اليوم خمسة عشر بالمائة .خفض حصة الطاقة النووية كان خيارا مدروسا لكنني أعتقد أن تخلي أوروبا عن مصدر طاقة مستقر ومنخفض التكلفة وقليل الانبعاثات كالطاقة النووية كان خطأ استراتيجيا وهذا التعامل يجب أن يتغير لسببين.
أولا لأن للطاقة النووية والطاقة المتجددة دورا أساسيا ليس كل على حدة بل الاثنتان معا لأنهما تمثلان مجتمعتين أقوى منظومة طاقة. نحن بحاجة إلى أفضل وأشمل نظام طاقة وهو نظام نظيف وقليل التكلفة ومرن. من المعورف أن مصادر الطاقة المتجددة تنتج الكهرباء بأقل تكلفة لكنها غير مستقرة لاعتمادها الكبير على الشمس والرياح.
زد على ذلك أن أفضل المواقع لاتتاجها تقع بعيدا عن المراكز الصناعية . لذا فيتعين علينا الاستثمار في تخزين الطاقة وتحقيق مرونة الطلب وتطوير الشبكات. أما الطاقة النووية فهي مستقرة وتوفر الكهرباء على مدار الساعة والسنة. الخلاصة أن نظام الطاقة الأكثر كفاءة يجمع بين الطاقة النووية والطاقة المتجددة ويدعمه التخزين ومرونة الطلب والشبكات.”
اما السبب الثاني فيتعلق بآمال أوروبا في أن تعود إلى صدارة الدول ذات التكنولوجيا النووية المتقدمة بحسب أورسولا فون دير لاين – لا سيما أن أوروبا كانت رائدة في هذا المجال. فالتكنولوجيات النووية الجديدة مثل المفاعلات الصغيرة أقل تكلفة وأكثر أمانا . كما يمكن دمجها بسهولة في الشبكات القائمة ويمكن أن تكمل مصادر الطاقة المتجددة . إلا أن ثورة الطاقة لا تقتصر على طريقة إنتاجها بل تشمل أيضاً طريقة استخدامها.
وهنا تدخل على الخط الروبوتات والذكاء الاصطناعي باعتبارهما محركات هامة لموجة الابتكار القادمة . فالأتمتة الصناعية القائمة على الروبوتات المتطورة تغير المصانع الأوروبية بشكل جذري وتزيد العمليات الإنتاجية سرعة ودقة وكفاءة . وفي الوقت نفسه يزيد الذكاء الاصطناعي من جودة سلاسل التوريد ويقلل من الهدر ويتيح الإنتاج المخصص على نطاق واسع . ولكل هذه التقنيات عامل مشترك هو استهلاكها الكبير من الطاقة
.وأضافت أورسولا فون دير لاين تقول :”أسعار الكهرباء في أوروبا مرتفعة ولها تأثير كبير ليس على تكاليف المعيشة فحسب بل أيضا على القدرة التنافسية للصناعية الأوروبية. صناعات المستقبل ستبنى على طاقة كهربائية معقولة السعر في حين أن الروبوتات والذكاء الاصطناعي ستدفع عجلة الابتكار والإنتاجية في جميع القطاعات الصناعية وكلاهما يحتاج إلى كهرباء وفيرة بأسعار معقولة.
لهذا السبب ستكون القدرة التنافسية للصناعة مرهونة بشكل متزايد بالقدرة على إنتاج ونقل وتخزين واستخدام الكهرباء على أفضل وجه وبكميات وفيرة بأسعار معقولة . فأوروبا لا تنتج النفط ولا للغاز بل تعتمد كليا على واردات الوقود الأحفوري باهظة الثمن والمتقلبة مما يجعلها في موقف هش مقارنة بمناطق أخرى في العالم والأزمة الحالية في الشرق الأوسط تذكرنا مرة أخرى بنقاط الضعف الناجمة عن اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.”
ختاما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية : “لدينا مصادر طاقة محلية ذات انبعاثات كربونية منخفضة هي الطاقة النووية والطاقة المتجددة. ويمكن لهذه المصادر مجتمعة أن تصبح ضمانة لاستقلال وأمن الإمدادات والقدرة التنافسية”.