من تراث بوخارست المفقود: مبنى معهد الطب الشرعي
الزائر للأزقة القديمة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر دامبوفيتسا كان يشاهد حتى عام 1985 مبنى معهد الطب الشرعي الذي حمل اسم مؤسس المؤسسة الدكتور مينا مينوفيتشي
Diana Baetelu, 07.11.2026, 15:30
الزائر للأزقة القديمة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر دامبوفيتسا كان يشاهد حتى عام 1985 مبنى معهد الطب الشرعي الذي حمل اسم مؤسس المؤسسة الدكتور مينا مينوفيتشي. كان مبنى رائعا مهيبا شيد على مقربة من وسط بوخارست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خلال فترة الازدهار الاقتصادي التي شهدتها البلاد في عهد الملك كارول الأول وافتتح تحت مسمى “مشرحة المدينة” في عام 1892 ثم غير اسمه إلى “معهد الطب الشرعي” في عام1898 .
بعد ثلاثة وتعسين عاما من بنائه سوي المبنى بالأرض أثناء تنفيذ المشروع العمراني لزعيم رومانيا الشيوعي نيكولاي تشاوشيسكو الذي هدف إلى إعادة رسم ملامح المدينة من جهة وإزالة آثار زلزال عام 1977 المدمر من جهة أخرى وهو مشروع راحت ضحيته مبان كثيرة ذات قيمة تاريخية ومعمارية عالية كانت تزين الأحياء السكنية القديمة وهدمت بطريقة وحشية وغير مبررة فقط لإفساح المجال لإنشاء المركز السياسي والإداري للبلاد وقصر البرلمان الحالي.
أوكتافيان بودا أستاذ تاريخ الطب في جامعة الطب والصيدلة في بوخارست والطبيب النفسي في معهد الطب الشرعي قال إن هدم المبنى التاريخي للمعهد قد حرم سكان بوخارست من إرث قيم للغاية : “من الأمور المحزنة في تاريخنا الحضري المعاصر أن مبنى مشرحة بوخارست ذا القيمة المعمارية الاستثنائية قد سوي بالأرض في عام 1985. ففي ذلك الوقت كنت أستعد للالتحاق بكلية الطب وكنت أشعر بحزن شديد كلما سرت بالقرب من موقعه السابق وشاهدت الركام. فمن الصعب تبرير هدم مبنى كان يقع على بعد نسبي عن المركز السياسي والإداري الجديد المراد إنشاؤه في وسط المدينة .”
الدكتور بودا مقتنع بأن هدم مبنى معهد الطب الشرعي كان عملا عبثيا لا يمكن تبريره تحت أي ظرف من الظروف مذكرا بالمباني الأخرى العديدة ذات القيمة المعمارية والتارخية بما فيها الكنائس والأديرة التي تقاسمت المصير مع معهد الطب الشرعي:”السبب وراء هدم مبنى الطب الشرعي غير مفهوم على الإطلاق لأنه لم يكن يعرقل المشروع العمارني الجديد. الروايات الشعبية تفيد بأن تشاوتشيسكو قال ذات مرة : ما طب الأموات هذا؟ لا يوجد شيء اسمه طب الأموات !! أما إذا أرادوا جمع الجثث في مكان ما فليجمعوها في ضواحي المدينة!”
من اللافت أن أن تشريح جثة تشاوشيسكو بعد إعدامه رميا بالرصاص وتصوير جثته هما من مهام الطب الشرعي الذي لم يتعرف به تشاوشيسكو لكنه لم يسلم منه في نهاية المطاف”.
شيد مبنى معهد الطب الشرعي ببوخارست على طراز معاهد مماثلة في الغرب وكان معهد ليفربول الذي بني عام 1837 مصدر الإلهام الرئيسي :”تحولت المنطقة التي وقع فيها معهد الطب الشرعي بعد هدمه في عام 1985 أرضا خالية ويقال إن تشاوتشيسكو أراد أن يبني فيها قاعة مؤتمرات كبيرة. احتفظ بذكريات طيبة عن زيارتي لمدينة ليفربول. يوجد فيها معهد طب شرعي يشبه نظيره السابق في بوخارست إلى حد كبير. له نفس الهيكل المعماري تقريبا مع قاعة كبيرة وجميلة عند المدخل ومدرج كبير.”
احتضن المبنى المفقود جميع المرافق الضرورية: “لم يكن المعهد مجرد مكان لحفظ الجثث وإجراء عمليات التشريح بل كان يضم أقساما أخرى عديدة منها مختبرات علم السموم وقياسات الجسم وتحديد الهوية ساهمت في إضفاء تخصصا علميا دقيقا على تلك الأنشطة. في البداية أطلق على المعهد “مشرحة المدينة” ثم تم تغير اسمه إلى “معهد الطب الشرعي”.
عند مدخل المعهد كانت هناك غرفة تؤدي إلى مكتب المدير وفي الداخل غرفة التشريح الرئيسية بشرفة علوية كان الطلاب يتجمعون فيها لمتابعة عمليات التشريح. وقد بنيت لاحقا غرفة تشريح أخرى بالإضافة إلى أماكن لحفظ الجثث ومختبر جديد لعلم السموم ومكتبة ومدرجين ومتحف.
وكان المتحف مفتوحا أمام الزوار وكان أشبه بما يعرف اليوم بـ”خزانة عجائب” فيها جميع أنواع المعروضات المثيرة . وكانت للمعهد كنيسة صغيرة شيدت على الطراز القوطي الجديد.”
بعد هدم مقره الأول اتخذ معهد الطب الشرعي من أحد مستشفيات بوخارست مقرا مؤثتا له قبل أن ينتقل إلى مبنى آخر شيد بالطراز المعماري الشيوعي في الأطراف الجنوبية للعاصمة.