المؤرخ غورغي براتيانو
حظي غورغي براتيانو بمكانة مرموقة بين المؤرخين الرومانيين في القرن العشرين
Diana Baetelu, 12.09.2026, 15:30
حظي غورغي براتيانو بمكانة مرموقة بين المؤرخين الرومانيين في القرن العشرين. ففي عشرينيات القرن الماضي كان واحدا من المؤرخين الشباب لدى هيئة تحرير “المجلة التاريخية الرومانية ” المهتمين بدراسة التاريخ بمنهج علمي مختلف عن المناهج السائدة آنذاك. وقد تألق براتيانو بوصفه ممثلا لهذا التوجه وحظيت كتاباته بتقدير معاصريه حتى أصبح أبرز مؤرخي جيله.
ولد غورغي براتيانو في الثامن والعشرين من يناير كانون الثاني عام 1898 في بلدة روجينواسا بمحافظة ياش للسياسي الليبرالي الكبير إيون براتيانو وزوجته الأولى الأميرة ماريا موروزي كوزا. تخرج من كلية القانون لكنه كان مولعا بالتاريخ فالتحق بجامعة السوربون بباريس حيث نال درجة الدكتوراه في عام 1929 عن أطروحة تناول فيها أعمال تجار مدينة جنوة الإطالية في منطقة البحر الأسود في القرن الثالث عشر.
أثناء تواجده في فرنسا للدارسة تأثر غورغي براتيانو بأفكار الحركة المعروفة بمدرسة الحوليات الفرنسية للتأريخ. لدى عودته إلى رومانيا عين أستاذا في جامعة بوخارست وانتخب عضوا في الأكاديمية الرومانية. ألف العديد من الأعمال والدراسات التاريخية ومن بين أشهرها “لغز ومعجزة تاريخية: الشعب الروماني” و”التقاليد التاريخية حول تأسيس الدول الرومانية” و”البحر الأسود”.
قاتل براتيانو على جبهات الحرب العالمية الأولى كغيره من شباب جيله ثم انخرط في العمل السياسي. إبان الحرب العالمية الثانية شارك في معارك القرم. تزوج من الأميرة إيلينا ستوردزا وأنجب منها ثلاثة أبناء. عرف غورغي براتيانو بحبه وولائه للوطن فيروى أنه عندما عرض عليه السفر إلى فرنسا عام 1945 بعد تولي الشيوعيين السلطة تحسبا لاعتقاله قال: “إن أفراد عائلة براتيانو لا يغادرون الوطن أبدا”. فقد اعتقل براتيانو فعلا في عام 1950 وأرسل إلى سجن سيغيت سيء الصيت حيث توفي عن عمر ناهز خمسة وخمسين عاما.
ترأس براتيانو فصيلا ليبراليا مقربا من الملك كارول الثاني ونظامه التسلطي ورغم وحبه لفرنسا دعا إلى التحالف مع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. بعد تولي الشيوعيين السلطة في عام 1945 اعتقل براتيانو والعديد من السياسيين الليبراليين والمحافظين .
في مقابلة مع مركز التاريخ المروي التابع للإذاعة الرومانية استذكر المؤرخ الروماني المعروف بيتري ناستوريل في عام 1996 ملابسات اعتقال غيورغي براتيانو عام 1950:”تعرفت على البروفيسور براتيانو لكنني لم أدرس في قسم التاريخ بل في قسم اللغتين اليونانية واللاتينية. كان البروفيسور يقدرني وأراد توظيفي في معهد يورغا للتاريخ الذي كان يرأسه . لكن في يومٍ مشؤوم من عام 1947 فرضت السلطات الشيوعية الإقامة الجبرية على البروفيسور براتيانو كما على غيره من الباحثين والعلماء ذوي الشهرة العالمية . عندها تسألنا كيف يمكننا إيصال الوثائق التاريخية إليهم حتى يتمكنوا من مواصلة العمل في المنزل ونشر أعمالهم بشكل طبيعي. فقد تم تنظيم شبكة واسعة تضمنت إلى جانبي أنا زوجة براتيانو إيلينا والبروفيسور ميهاي بيرزا وكاهنا كاثوليكيا فرنسيا هو الأب إميل جان الذي كان لا يزال يعمل في المعهد الفرنسي للدراسات البيزنطية في بوخارست.”
ساهمت العلاقات الممتازة بين رومانيا وفرنسا بشكل كبير في إنقاذ أعمال المؤرخ براتيانو في وقت ساد فيه الإرهاب الستاليني . بيرتي ناستوريل مرة أخرى :”كانت العلاقات الممتازة بين رومانيا وفرنسا هي التي أنقذت أعمال براتيانو في وقت بدا فيه كل شيء بلا أمل بسبب الرعب الستاليني فالكاهن الفرنسي أرسل أعمال براتيانو غير المنشورة من كتب ومقالات إلى باريس عن طريق السفارة الفرنسية على أن توصل إلى صديقه العزيز الأب لوران. فقد نجت أعمال براتيانو عمال براتيبفضل تلك الشبكة من النوايا الحسنة وبمساعدة فرنسا ونشرت في باريس وميونيخ وأماكن أخرى وترجمت إلى الرومانية لتكون في متناول الرومانيين في الداخل.”
تحدث بيتري ناستوريل أيضا عن المخاطر التي تربصت بأفراد الشبكة في كل لحظة: كان الأمر خطيرا جدا على براتيانو نفسه في المقام الأول الذي انتهى به الأمر في سجن سيغيت حيث قضى في ظروف اعتقال قاسية للغاية. كان الأمر خطيرا جدا على البروفيسور ميهاي بيرزا الذي كان أبا لطفلين صغيرين. كان الأمر خطيرا أيضا علي أنا بوصفي معيلا وحيدا لأبي وأمي. لكننا قمنا بواجبنا. في الغرب يعتقدون أن الرومانيين ظلوا مكتوفي الأيدي ولم يقاوموا الاحتلال السوفييتي والروماني الشيوعي.ولكن في الواقع أناسا كثرا ناضلوا ضده بعضهم سقط في الصراع وبعضهم مات وآخرون ناجوا وأنا احد الناجين”.