علاقات رومانيا مع حركات التحرر الوطني في العالم الثالث
إنهاء الاستعمار وتشجيع المستعمرات السابقة على نيل استقلالها كان أحد الاتجاهات الرئيسية في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية متجسدا في قيام حركات التحرر الوطني في دول آسيا وإفريقيا كتعبير عن تطلعات تلك الشعوب إلى عالم جديد أفضل وأكثر عدالة
Diana Baetelu, 14.02.2026, 15:30
إنهاء الاستعمار وتشجيع المستعمرات السابقة على نيل استقلالها كان أحد الاتجاهات الرئيسية في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية متجسدا في قيام حركات التحرر الوطني في دول آسيا وإفريقيا كتعبير عن تطلعات تلك الشعوب إلى عالم جديد أفضل وأكثر عدالة.
في أوائل الستينيات انصب اهتمام سياسة رومانيا الخارجية على أفريقيا وآسيا. فأرسلت بوخارست دبلوماسيين للترويج لمصالحها في القارتين خاصة بعد خروج رومانيا وسائر بلدان الكتلة الاشتراكية عن الوصاية السوفييتية .
ميرتشيا نيكولايسكو كان سفيرا لرومانيا لدى مصر ابتداء من عام 1961. وفي عام 1996 تحدث لمحرري مركز التاريخ المروي للإذاعة الرومانية عن المبادرات الرومانية التي رمت إلى تشجيع ودعم حركات التحرر الوطني بما فيها حركة تحرير فلسطين ضمن أجندتها الشرق أوسطية: “كان موقف رومانيا الداعم لحركة التحرير الفلسطينية منسجما مع موقفها العام إزاء حركات التحرير الوطنية. وكانت حركات التحرر في أفريقيا قد اتخذت من القاهرة مقرا لها.
وبما أن حركات التحرر اعتبرت حركات محلية في المقام الأول كان لا بد لنا أن نقوم بصياغة دعمنا السياسي باحترام مصالح الشعوب المعنية وأن نترك مهمة هيكلة تلك الحركات وتنظيمها للمسؤولين المحليين. إنه المبدأ الذي التزمت به رومانيا في علاقاتها مع كافة حركات التحرر الوطني بغض النظر عن التوجهات والاضطرابات الداخلية التي كانت تلك الحركات تشهدها.”
تطرق السفير ميرتشا نيكولايسكو إلى العلاقات بين رومانيا وبعض حركات التحرر الوطني في إفريقيا:
“استدعى الأمر عناية فائقة في التعامل مع الكونغو بسبب تشتت حركة تحررها من جهة ومحاولات بعض الجهات الخارجية لتوجيهها وإخضاعها لمصالح القوى العظمى. كانت حركة التحرر في الكونغو الأقوى في إفريقيا ولكن كان أحد فروعها تحت الوصاية السوفيتية وكان فرع آخر تحت الوصاية الأمريكية وثالث تحت الوصاية الصينية. من المعروف أن القوى العظمى تدخلت في الكونغو وكذلك في أنغولا وموزمبيق وكينيا بشكل كبير وبدرجة أقل في تنجانيقا.
لقد قدمت رومانيا الدعم قدر المستطاع لجميع تلك الحركات ولكل من طلبوا الدعم والمساعدة بشكل مستاو . لذا فكانت سفارة رومانيا السفارة الوحيدة التي كان يزورها ممثلو جميع فروع حركة التحرر الكونغولية .”
اتبعت رومانيا في علاقاتها مع حركات التحرر الوطني مبدأ أن الإرادة المحلية هي التي تقرر مصيرها السياسي:”كانت رومانيا الدولة الوحيدة التي اعتبرت نيل الاستقلاق مهمة يعود تحقيقها إلى الجهات المحلية وحدها وهذا ما كنا نقوله لهم دائما. وكنا نؤكد لممثلي حركات التحرير الوطني أن رومانيا تستطيع فقط دعمها سياسيا في المحافل الدولية. كما تعهدنا بالعمل في إطار المنظمات الدولية على تقديم الدعم المباشر لها بما في ذلك الدعم المادي. وهذا ما حصل بالفعل في الأمم المتحدة على سبيل المثال. لكننا امتنعنا عن استضافة حركات التحرر الوطني في رومانيا.”
موقف رومانيا المتوازن إزاء حركات التحرر الوطني كان مجديا بحسب السفير ميرتشبا نيكولايسكو: “ليس من قبيل الصدفة أن علاقاتنا كانت جيدة جدا بل ممتازة سياسيا وأيديولوجيا وإنسانيا مع جميع الدول التي نالت استقلالها بفضل مساعي حركات التحرر واسعة النطاق التي شهدها العالم آنذاك . ففي غضون ست سنوات فقط أي منذ توليت منصب سفير رومانيا في القاهرة في عام 1961 وحتى عام 1966 زاد عدد الدول المستقلة في إفريقيا من ثلاث دول هي مصر وليبيريا وإثيوبيا إلى ستين دولة مستقلة.
لقد كانت حركات التحرر الوطني اللاعب الرئيسي الذي قاد عددا كبيرا من الشعوب إلى الاستقلال. أما رومانيا فكانت لها علاقات ممتازة مع الكونغو ذات التوجه اليميني وأقصد الكونغو- زائير وكذلك مع الكونغو- برازافيل ذات التوجه اليساري الواضح ومع كينيا ذات التوجه الشعبوي اليميني ومع تنجانيقا وغيرها. فقلما استطاعت دول أخرى الحفاظ على مثل هذا القدر من التوازن في علاقاتها مع حركات التحرر الوطني والدول المستقلة الجديدة. وقد تبين فيما بعد أن موقف رومانيا المتوازن كان مجديا لها .”