مدينة كالاتيس القديمة
كالاتيس هي إحدى أقدم المستوطنات الحضرية في رومانيا إذ يعود تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد حين بناها مستوطنون يونانيون في موقع ميناء مانغاليا الحالي على البحر الأسود
Diana Baetelu, 14.03.2026, 15:30
كالاتيس هي إحدى أقدم المستوطنات الحضرية في رومانيا إذ يعود تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد حين بناها مستوطنون يونانيون في موقع ميناء مانغاليا الحالي على البحر الأسود. وقد كانت كالاتيس مركزا تجاريا وثقافيا مزدهرا لأكثر من ألف عام وشهدت تعاقب الحضارات اليونانية والرومانية والرومانية البيزنطية القديمة .
ماريا ماغدالينا شتيفان عالمة الآثار ورئيسة قسم كالاتيس في المتحف الوطني للتاريخ حدثتنا عن تاريخ هذه المدينة القديمة: “لو حفرنا تحت شوارع مانغاليا ومبانيها لوجدنا آثارا لمدينة كالاتيس اليونانية القديمة. كانت كالاتيس مدينة دولة بمعنى أنها كانت ذاتية الحكم وضمت كذلك الأراضي الزراعية المحيطة بها مع القرى والمنازل والطرق والمقابر إضافة إلى عدد من الموانئ . كانت كالاتيس – المدينة الدولة تضع سياساتها بنفهسا وكان لها جيش واقتصاد خاص وعملة .وكان سكانها يعبدون مجموعة من الآلهة الحامية للمدينة.”
لم تكن كالاتيس مدينة عادية وإنما واحدة من أكبر وأقوى المراكز الحضرية اليونانية على الشاطئ الغربي للبحر الأسود بحسب عالمة الآثار ماريا ماغدالينا شتيفان:
“بنيت كالاتيس على أيدي يونانيين دوريين قدموا إلى المنطقة من الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود في تركيا الحالية. وكان الدوريون أحد أبرز الأعراق الإغريقية القديمة وكانوا معروفين بانضباطهم ونزعاتهم القتالية وكانت أسبرطة إحدى أشهر مدنهم. أغلب الظن أن الدوريين بنوا مدينة كالاتيس في أواخر القرن السادس قبل الميلاد ومع ذلك لا توجد أي إشارة إليها في المصادر القديمة التي تتناول أحداث تلك الحقبة المبكرة. كما أن الحفريات لم تكشف عن آثار عائدة إلى تلك الفترة لذا فالأرجح أن تكون المدينة قد بنيت أو أعيد بناؤها في موقع مدينة أخرى عيإعفي بداية القرن الرابع قبل الميلاد وبأسلوب لافت جعل من كالاتيس إحدى أكبر وأقوى المدن اليونانية على الشاطئ الغربي للبحر الأسود.”
عالمة الآثار ماريا ماغدالينا شتيفان وضعتنا في صورة كالاتيس القديمة ودورها ونمط حياة سكانها :”يتبع شارع الميناء الحالي في مانغاليا مسار التحصينات التي بناها اليونانيون فيما يقع متحف مانغاليا الأثري الحالي وملعب كالاتيس فوق المقبرة القديمة. وهنا يجدر ذكر أن المقابر كانت تشكل منظرا مثيرا في مدينة كالاتيس التي كانت محاطة بما لا يقل عن ألف كومة جنائزية أقيمت وفق تصميم دقيق على شكل صفوف مستقيمة على جانبي الطرق والشوارع .
أحدث الاكتشافات الأثرية في كالاتيس ساعدتنا على فهم الدور الذي لعبته المدينة اليونانية على الصعيد الإقليمي وهو دور الوسيط بين المناطق المطلت على بحر إيجة كالمملكة المقدونية واليونان القديمة نفسها من جهة وآسيا الصغرى والممالك البربرية من جها أخرى. فكانت كالاتيس مكانا مثاليا لعقد الاجتماعات وإبرام المعاهدات وسك العملات لدفع أجور المرتزقة.
أما من الناحية العمرانية فكانت كالاتيس على غرارا سائر المدن التي شيدها الأغريق في منطقة دوبروجيا الرومانية الحالية محاطة بأسوار وتحيصنات من الحجر. وفي داخل المدينة كانت الأحياء والشوارع جيدة التنظيم. وكانت المنازل متعددة الطوابق ومبنية من الحجر أو الطين.
كانت هناك في كل تلك المدن ساحة مركزية كبيرة يسمى أغورا هي المكان الذي كان السكان يتجمعون فيه. كما كانت هناك معابد للآلهة الحامية وموانئ تجارية علما أن التجارة كانت النشاط الرئيسي فيها. فبحسب المصادر العائدة إلى تلك الحقبة كانت أهم البضائع المتاجر بها في ميناء كالاتيس هي الحبوب والأسماك المملحة والنبيذ وزيت الزيتون والمنسوجات بالإضافة إلى العبيد. فقد كان العبيد القادمون مما سماها الإغريق بأراضي البرابرة أحد الموارد الرئيسية للازدهار الذي شهدته المدن اليونانية القديمة.
كذاك كانت الزراعة إحدى الأنشطة الهامة في كالاتيس إلى جانب الحرف. فكانت هناك ورش لصناعة الفخار وتماثيل الفخار الملونة والمنسوجات والمجوهرات الثمينة. لكن أجمل اللحظات كانت الاحتفالات الدينية وهي مناسبات عامة شارك فيها جميع سكان المدينة”.
كالاتيس القديمة مدينة صامتة مدفونة تحت مدينة مانغاليا الحديثة تساعدنا على فهم هويتنا وفهم الحضارات التي التقت فيها عبر الزمن . فآثارها تحدثنا عن الذاكرة والهوية والصلة العميقة بين الماضي والحاضر.