مصير التماثيل والنصب التذكارية في بوخارست في ظل الاحتلال السوفيتي
تغيرت خريطة النصب التذكارية والتماثيل في بوخارست بشكل جذري في ظل احتلال الجيش السوفيتي لرومانيا
Diana Baetelu, 17.01.2026, 15:30
النصب التذكارية والتماثيل المقامة في الأماكن العامة هي شكل من أشكال تكريم الشخصيات البارزة والأحداث الفارقة في تاريخ الأمة. فالشخصيات التي تجسدها تلك المعالم نقلت إلى المارة على مر العهود رسائل ملهمة. أبطال حروب من رجال ونساء ومملوك وملكات ورجال سياسة ومثقفون ورجال دين وحتى أناس عاديون ضحوا بأنفسهم من أجل الآخرين في أوقات الأزمات نشاهدهم اليوم في الأماكن والساحات العامة حيث يحدثوننا من على ارتفاع منصاتهم الضخمة عن أمانيهم وتضحياتهم وتفانيهم . لقد عرفت رومانيا كيف تكرم شخصياتها البارزة وبنت لهم نصبا تذكارية وتماثيل . وكانت العاصمة بوخارست في مقدمة المدن الرومانية من هذه الناحية.
ولكن بعد عام 1945 تغيرت خريطة النصب والتماثيل بشكل جذري في ظل احتلال الجيش السوفيتي لرومانيا وتبني الحزب الشيوعي الروماني الماركسية اللينينة عقيدة رسمية له . فقد هدمت معالم أو استبدلت بأخرى جديدة بهدف تزوير الماضي والحاضر بشكل فظ.
في الثلاثين من ديسمبر كانون الأول عام 1947 أجبر الملك ميهاي الأول يالتنازل عن العرش. إنه الحدث الذي وضع نهاية للحكم الديمقراطي ومهد للانتقال إلى النظام الدكتاتوري في ظل إحكام الشيوعيين السيطرة على البلاد. وسرعان ما بدأت السلطات بهدم تماثيل الملكين المؤسسين : الملك كارول الأول مؤسس رومانيا الحديثة المستقلة والملك فرديناند الأول مؤسس الدولة الرومانية الوطنية الموحدة في عام 1918. تماثيل رجال السياسية البارزين في الفترة ما بين الحربين العالميتين وبعض النصب التذكلرية كنافورة مودورا في حديقة هيراستراو ونصب قوات المشاة ونصب المدرسين الأبطال قد لقيت نفس المصير .
المؤرخ تشبزار بيتري بويوماتشي مؤلف كتاب “رحلة غلى بوخارست الأمس” يعتقد أن عملية تغيير خريطة النصب التذكارية والتماثيل في بوخارست جرت على مرحلتين:هدم المعالم القديمة وإقامة آخرى جديدة محلها : “المرحلة الأولى تمثلت في هدم التماثيل والنصب التي ذكرت بالملكية والشخصيات السياسية التي عارضت النظام الشيوعي ومن بينها رجال دولة أقيمت لهم تماثيل ضخمة في الفترة ما بين الحربين العالميتين مثل رئيس الحزب الليبرالي ورئيس الوزراء إيون براتيانوو ورئيس الوزراء إيونيل براتيانو والمحاكي والدبلوماسي تاكي إيونيسكو ومؤسس البنك المركزي الروماني يوجينيو كارادا وغيرهم بمن فيهم أنجح عمدة لبوخارست باكي بروتوبوبيسكو غير أنه لم يعاصر بدايات الحركات الشيوعية ولا تأسيس الحزب الشيوعي الروماني إذ عاش وتولى رائسة بلدية العاصمة في القرن التاسع عشر. ومع ذلك هدم تمثاله .إلا أن البلدية تنوي الآن إطلاق مسابقة لإعادة نحت هذا النصب التذكاري. كما هدمت تماثيل الملكين كارول الأول وفرديناند الأول.”
هدم النصب القديمة المعروفة بتأثيرها القوي في الضمير العام لم يكن كافيا في نظر الشيوعيين وبالتالي قرروا إقامة نصب جديدة بعضها لتمجيد الاتحاد السوفيتي والبعض الآخر للإشادة بمفاهيم العقيدة الشيوعية . وهكذا ظهرت في بوخارست تماثيل مؤسسي الماركسية اللينينية ونصب تذكارية مكرسة لإضرابات العمال وتمجيد الصراع الطبقي وأخرى مكرسة للجيش: “بعد هدم المعالم القديمة ظهرت في بوخارست نصب تذكارية جديدة كانت أولاها في الواقع نصب الاحتلال ومنها نصب الجيش الأحمر ونصب ستالين ونصب لينين ثم نصب بعض الشخصيات الثقافية من ممثلي الثقافة البروليكولتية والتيارات اليسارية في الاتحاد السوفييتي والدول التي بقيت خلف الستار الحديدي بعد الحرب العالمية الثانية .
ثم أقيم كذلك نصب أبطال الوطن الذي يكان في الواقع بيان الحزب الشيوعي حول مشاركة رومانيا في الحرب العالمية الثانية والتضحيات الجسيمة التي قدمتها رغم أن اتفاقية السلام لم تعترف بمشاركتها في الحرب إلى جانب الحلفاء . وكان نصب أبطال الوطن النصب التذكاري الرئيسي في مراسم وضع أكاليل الزهور وتكريم ذكرى الشهداء متغلبا من هذه الناحية على نصب الجندي السوفيتي.”
أقيمت المعالم الجديدة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات. يقول تشيزاربويوماتشي إن هدم المعالم القديمة كان في الواقع دعاية أكثر فعالية من بناء المعالم الجديدة : “كان عدد النصب العامة التي شيدت في الحقبة الشيوعية أقل من عدد النصب التي هدمت في بداياتها . لقد ظهر معظم النصب في الجزء الأول من الحقبة الشيوعية . أما في الجزء الثاني فقلت المعالم الجديدة وفقدت الدلالات الدعائية العميقة لتتحول إلى مجرد عناصر زينة في ساحات المدينة وحدائقها العامة”.
مع عودة رومانيا إلى الحكم الديمقراطي بدأت السلطات بترميم المعالم المتضررة وأعادت المعالم القديمة إلى أماكنها السابقة كما أُزالت المعالم العائدة إلى الحقبة الشيوعية .
ا