الجهل وتكلفته الباهظة
الجهل يؤثر في تفكيرنا وخياراتنا وتصرفاتنا لكنه لا يثير الانتباه بشكل مباشر ولا يعتبر خطرا حقيقيا وإنما حالة حيادية لا إيجابية ولا سلبية
Diana Baetelu, 20.04.2026, 15:30
الجهل يؤثر في تفكيرنا وخياراتنا وتصرفاتنا لكنه لا يثير الانتباه بشكل مباشر ولا يعتبر خطرا حقيقيا وإنما حالة حيادية لا إيجابية ولا سلبية . إلا أن الجهل يمثل في الواقع أحد أخطر نقاط الضعف لدى الإنسان وأعلاها تكلفة لا سيما في نظام الاقتصادي العالمي الذي نعيش في ظله والذي يقيم وزنا للمعرفة باعتبارها نقطة قوة عند البحث عن وظيفة وإحدى أفضل الأدوات لفهم العالم واتخاذ القرارات الصائبة وبناء مستقبل أفضل.
الجهل خطر صامت لا يختزل إلى افتقار الجاهل إلى المعرفة بل يتجاوز ذلك إلى عدم وعي الجاهل بحهله. فالجهل يزداد خطورة بقدر ازدياد الجاهل قناعة بصواب قراراته مهما كانت خاطئة ويدفعه إلى قبول أفكار الآخرين تلقائيا ورفض التحليل المتعمق لصالح التفسيرات السطحية . فكل هذا يؤدي إلى خيارات خاطئة قد تكون أحيانا غير قابلة للتصحيح .
بعبارة أخرى فإن الجهل عائق كبير في الحياة الشخصية والمهنية فالجاهل غالبا ما يضيع الفرص لقدرته المحدودة على إيجادها واغتنامها حال توفرها ويتخذ قرارات مالية خاطئة لأنه لا يفهم آليات الاقتصاد. ومن لا يستطيع تحليل المعلومات بشكل موضوعي ومنطقي يمكن أن يصبح غنيمة سهلة للمستغلين والمتلاعبين. ومن لا يتكيف مع التغييرات سيبقى عالقا في واقع قد عفا عليه الزمن.
يشهد العالم منافسة شرسة على المعرفة بين الدول تتجلى في السعي إلى التعلم المستمر من جهة والقدرة على الابتكارمن جهة أخرى . أما في رومانيا فهناك أفراد ذوو مستوى تعليمي متميز يجعلهم ذوي قدرة تنافسية عالية على المستوى العالمي وهناك أيضا أمية وظيفية وفجوة كبيرة في مستويات التعليم بين المدن والأرياف بالإضافة إلى نظام تعليم غير متكيف مع احتياجات سوق العمل.
في مقابلة مع إذاعة رومانيا حذرت المحاضرة الجامعية أندريا باول من أن المجتمع الذي لا يستثمر في التعليم يضعف إمكاناته. وقالت إن المنافسة الحقيقية في رومانيا ليست اقتصادية بالمعنى التقليدي بل هي منافسة على المعرفة وتكوين الكوادر المؤهلة وتنمية المهارات المناسبة للاقتصاد حاضرا ومستقبلا وبناء القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في عالم تطبعه الصراعات والتوترات.
ما هي أوجه فقدان المعرفة في رومانيا؟ أندريا باول:”نفقد المعرفة عندما لا نختار المسار التعليمي المناسب وهذا خطأ جماعي ليس فرديا أو عندما لا نعرف كيف نحصل على قرض مصرفي ملائم لنا ولا نفهم المخاطر المترتبة عليه بسبب افتقرانا إلى الحد الأدنى من التربية المالية والاقتصادية . نفقد المعرفة عندما نتخذ قرارات شخصية خاطئة أو عندما نقع ضحية للتلاعب أو الشعبوية بكل سهولة. لكن تكاليف الجهل باهظة ويدفعها الشخص البالغ الذي لم يقم بما كان عليه القيام به في المدرسة وهو طفل. ومع فقدان المعرفة يفقد الانسان حريته أيضا.لأن التعلم يعني في الواقع اكتساب حرية أن تعمل ما تشاء في حياتك دون أن تقع ضحية للآخرين. ولكن لاكتساب المعرفة يجب أن تبدأ بتعلم أساسيات القراءة والكتابة والحساب حتى تتمكن من تطبيق المعرفة الأولية في حياتك اليومية في كل لحظة حتى حين تركب الخزف في غرفة حمام منزلك على سبيل المثال أو حين تريد شراء غسالة أو فرن ميكروويف وربما تحتاج إلى قرض مصرفي أو حين تعد ميزانية الأسرة أو تختار المدينة التي تريد أن تسكن فيها وعائلتك أو حين تختار المجال الذي تريد العمل فيه.”
أظهرت الدراسات أن الأشخاص المتعلمين يوجدون الفرص بسهولة ويتكيفون مع التغييرات بسرعة ويتخذون قرارات أفضل ويحصلون على وظائف أفضل ورواتب أعلى. في المقابل فإن غياب المهارات الأساسية يترجم في إضاعة الفرص. فما هي المهارات الأساسية تلك ؟ إنها التفكير النقدي والمعرفة الرقمية الأساسة والذكاء العاطفي والتربية المالية فضلا عن القدرة على التكيف لأن سوق العمل قد تتغير بسرعة وأن شركات ومنشآت وحتى قطاعات اقتصادية وصناعات بأكملها تختفي وتظهر بوتيرة لم يبسق لها مثيل في التاريخ بحسب أندريا باول.
لخصت الخبيرة المهارات الأساسية الأكثر طلبا في السنوات المقبلة: “القدرة على التكيف والتواصل المهني والتفكير النقدي والتفكير الإبداعي والمهارات الرقمية المتقدمة والتخصص بالمجالات الأكثر طلبا اليوم والتي ستكون الأكثر طلبا في المستقبل أيضا وهي الصحة والرعاية المنزلية والطاقة والخدمات اللوجستية المتقدمة من الصيانة الصناعية إلى التجارة. كذلك القدرة على فهم لغات البرمجة المعقدة ومهارات التفكير الحسابي والتفكير الخوارزمي فضلا عن القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي.”
أما غياب هذه المهارات فيحرم الشركات عن موظفين أكفاء ويضع خريجي الجامعيات في حيرة من أمرهم وهم لا يعرفون إلى أين يتجهون ويجعل شخاالكثيرين يرفضون التغيير لتشكيكهم في قدرتهم على التكيف معه. يقول الخبراء إن الحلول موجودة لكنها ليست سهلة ولا سريعة ويشددون على أن التعلم يجب ألا ينتهي بانتهاء سنوات الدراسة بل ينبغي أن يكون عملية مستمرة.