ثقافة الأمن – درع لا بد منه
اعتبار مفهوم الأمن بوصفه مفهوما عسكريا لم يعد دقيقا في ظل التطورات التي يشهدها العالم منذ عدة سنوات
Diana Baetelu, 14.09.2026, 15:30
اعتبار مفهوم الأمن بوصفه مفهوما عسكريا لم يعد دقيقا في ظل التطورات التي يشهدها العالم منذ عدة سنوات والتي أثبتت أن الحروب الحديثة لم تعد تخاض بالدبابات والطائرات فقط. على سبيل المثال فإن الحرب في أوكرانيا الدائرة رحاها على حدود رومانيا تتجاوز آثارها نطاق المواجهة العسكرية بكثير بعد أن تحولت إلى حرب هجينة تمتزج فيها الأساليب العسكرية التقليدية بتكتيكات وطرق التأثير على تصورات الناس وثقتهم ونظرتهم إلى العالم.
محلل السياسة الخارجية والأمن الأستاذ الجامعي يوليان كيفو يقول إن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد حرب هجينة : ” نشهد اليوم مزيدا من التهديدات المختلفة المتداخلة إضافة إلى ظهور بؤر عدم استقرار ومواجهات جديدة تؤدي إلى اندلاع الحروب. ولا شك أن تراكم هذه العناصر من شأنه أن يحدث تغييرا جذريا لطريقة التعامل مع الأمن بمفهومه الواسع وأدواته المتعددة.
فإذا كنا حتى وقت قريب نتحدث عن المواجهات بين الجيوش والدول بمؤسساتها ومواردها وثم الحروب الهجينة والمواجهة بين المجتمعات فها نحن اليوم أمام حرب شاملة الطيف ومتكاملة تخاض بأدوات متنوعة عسكرية ومدنية وحتى سلمية محكمة التنسيق بحيث تحدث آثارا سلبية وتحقق أهدافا معينة عسكريا أو أمنيا تمكنها من تغيير الوضع الأمني القائم .”
علينا أن نكون مستعدين لعالم الغد الذي سيكون مضطرا لإدارة المزيد من التهديدات . إنها مهمة لن تتمكن الدول ومؤسساتها الحكومية من القيام بها بمفردها إذ يتطلب إنجازها التعاون بين الدول ومجتمعاتها ومنظماتها غير حكومية وقطاعاتها الخاصة والمواطنين. ذلك أن الواقع الحالي يتطلب تضافرا للجهود من أجل الدفاع عن المجتمع بما يتناسب مع مدى تطور التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي والحرب المعلوماتية والمعرفية التي نشهدها اليوم.
الضمانات القوية التي تستسفيد منها رومانيا بفضل عضويتها في حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي لم تمنع انتشار الشعور بانعدام الأمن لدى شرائح واسعة من المواطنين. أحد الأسباب يكمن في الحرب المعرفية بوصفها إحدى أهم أدوات الصراع في الوقت الحالي التي تضخم المخاوف وتزرع في النفوس الشكوك في مؤسسات الدولة وتستغل الانقسامات في المجتمع لتحقيق مصالح معينة. وبذلك يصبح الشعور بانعدام الأمن أداة استراتيجية. الشعور بانعدام الامن العسكري يتعاظم على خلفية النزاعات المسلحة في حين يتزايد الشعور بانعدام الأمن الاقتصادي نتيجة ارتفاع الأسعار بسبب الحرب على الحدود بينما يتزايد الشعور بانعدام الأمن الاجتماعي على خلفية تنامي الشكوك في الآخرين.
ينضاف إلى ذلك الشعور بانعدام الأمن المعلوماتي الناجم عن صعوبة التمييز بين الحقيقة والتلاعب. والنتيجة هي شعور بالضعف قد يترك آثارا بالغة الخطورة على المجتمع لقدرته على توليد التوترات الاجتماعية. باختصار فإن الشعور بانعدام الأمن سلاح خفي ولكنه قد يكون بالغ الفعالية. في مواجهة هذه التحديات لم تعد استراتيجية الدفاع تقتصر على القوات العسكرية والأسلحة بل تشمل الاستجابة المنسقة للمجتمع عبر نشر ثقافة الأمن وهي مفهوم يشير إلى مدى وعي الأفراد بالمشاكل الأمنية ومدى مشاركتهم الفعالة والواعية في حلها مع دعم التدابير اللازمة لحماية الدولة والمجتمع. ولكن هذا الوعي يتكون من خلال التعليم.
ما معنى ذلك عمليا؟ النرويج على سبيل المثال تمكنت من خلال الاستثمار في التدريب المدني والعسكري والتعاون الوثيق بين المجتمع المدني والسلطات من التكيف مع التهديدات الإقليمية بما فيها التهديدات الروسية والحفاظ على توازن مستقر وتعزيز أمنها القومي:” التعليم بالغ الأهمية فالمدرسة تدرس مفاهيم الحرب المعلوماتية والتضليل والأخبار الكاذبة والتزوير. ولكن هذا غير كاف لأن المعتدي يقوم بتطوير لن فالمُعتدي أدواته باستمرار. فروسيا ليست لديها خطوط حمر أخلاقية أو ديمقراطية. لذا فعلينا أن نكون مستعدين بأدوات الدول الديمقراطية لمواجهة هذا الخطر.هذا يتطلب جهدودا دؤوبة باتجاه تعزيز التعليم والتواصل الاستراتيجي وبناء الثقة بين صناع القرار وعامة الناس.”