مجمع المناجم ببلدة ألبورنوس مايور- روشيا مونتانا
ألبورنوس مايور هو الاسم الذي أطلقه الرومان القدامى على مناجم الذهب التي قاموا باستغلالها بعد احتلال بلاد الداك السكان الأصليين لرومانيا الحالية وهي مناجم تقع اليوم في منقطة ترانسيلفانيا التاريخية وسط رومانيا عند سفوح جبال أبوسيني
Diana Baetelu, 17.10.2026, 15:30
ألبورنوس مايور هو الاسم الذي أطلقه الرومان القدامى على مناجم الذهب التي قاموا باستغلالها بعد احتلال بلاد الداك السكان الأصليين لرومانيا الحالية وهي مناجم تقع اليوم في منقطة ترانسيلفانيا التاريخية وسط رومانيا عند سفوح جبال أبوسيني . وتعتبر هذه المناجم أكبر مجمع تعدين عائد إلى عصر الرومان القدامى في العالم فيه أكثر من ثمانين كيلومترا من الأنفاق حفرت في مختلف الحقب التاريخية ومنها سبعة كيلومترات في العصر القديم. أما الاسم الحالي للمنطقة فهو روشيا مونتانا..
يعود تاريخ مناجم ألبورنوس مايور إلى القرن الثاني الميلادي عندما استولى إمبراطور روما تراجان على بلاد الداك – داتشيا واستقدم مستوطنين لاستغلال موارد الذهب هناك . وقد أشير إلى مجمع التعدين في وثيقة رسمية لأول مرة في عام 131 الميلادي في عهد الإمبراطور تراجان . فالحفريات الأثرية التي أجريت في المنطقة أوائل القرن التاسع عشر كشفت عن بقايا مساكن ومقابر وأدوات تعدين وعشرات الألواح الشمعية التي كتب عليها الرومان القدامى مختلف أنواع العقود والوصايا والقواعد التجارية وهي وثائق قدمت لعلماء الآثار معلومات قيمة عن الحياة اليومية في داتشيا بعد احتلالها من قبل جيوش روما. كما اكتشف علماء الآثار الأدوات التي استخدمها الرومان لاستخراج الذهب والتي اعتبرت متقدمة في ذلك الوقت كالمطارق الرونزية والأزاميل الحديدية والمعدات الهيدروليكية .
عالمة الآثار إلينا ميهايلا سيميون حدثتنا عن تاريخ بلدة روشيا مونتانا – ألبورنوس مايور قديما- :”اشتهرت بلدة روشيا مونتانا في يومنا هذا بعد الحملات الواسعة التي أقامها سكان المنطقة والمجتمع المدني في عام 2013 ضد مشروع تعدين جديد مطالبين بحماية المنطقة وتراثها المحلي. ولكن شهرة المنطقة أقدم بكثير لأن بلدة روشيا مونتانا أو ألبورنوس مايور كما سميت قديما هي المكان الذي اكتشفت فيه في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر قطع أثرية استثنائية أهمها ألواح الشمع التي كتبت عليها مختلف أنواع الوثائق القانونية. إنها في الواقع وثائق رائعة تساعدنا على فهم القانون الروماني القديم وطريقة تطبيقه على الأرض .
إنها عقود عمل وعقود اقتراض من التجار الأغنياء ومحاضر اجتماعات وعقود بيع وشراء السلع والعبيد وبعضها أشبه بقوائم أسعار نطلع فيها على أسعار السلع الرئيسية في بلدة ألبورنوس مايور قبل ألفي عام. أين تلك الألواح الآن؟ إنها في حوزة مختلف المتاحف والمؤسسات الثقافية منها المتحف الوطني للتاريخ في بوخارست والمتحف الوطني لتاريخ ترانسيلفانيا ومكتبة باتيانيوم وبعضها في متحفي التاريخ ببودابست وفيينا علما أن منقطة ترانسيلفانيا كانت وقت اكتشاف تلك القطع الآثرية تخضع لسيطرة الإمبراطورية النسماوية المجرية .
ماذا عن بلدة ألبورنوس مايور؟ ساد الاعتقاد بأن ألبورنوس مايور كانت فقط موقع تعدين أو منطقة لاستغلال المعادن الثمينة في عصر الرومان القدامى. ولكن الحفريات والأبحاث الحديثة التي أجريت على مدى عشرين عاما ابتداء من عام 2013 حققت نتائج استثنائية بكل المقاييس. فقد كانت تجربة رائعة بالنسبة لي أن أنضم إلى الفريق الذي عمل في الموقع الآثري هناك لفترة طويلة رغم صعوبة المهمة. لقد تزامنت الحفريات التي قمنا بها مع مساعي شركة تعدين أرادت استغلال رواسب الذهب هناك وكانت مجبرة بوجب القانون الروماني بتمويل بحوث أثرية وقائية شاملة لمعرفة طبيعة الموقع وآثار استغلال الذهب على المنطقة. كانت المفاجأة كبيرة لأن الاكتشافات الأثرية كانت مثيرة للغاية وأتاحت لنا معرفة تاريخ بلدة روشيا مونتانا وفهم ألواحها الشمعية بشكل أفضل .”
قدمت عالمة الآثار ميهايلا سيميون المزيد من التفاصيل عن ألواح الشمع التي اكتشفت ببلدة ألبورنوس مايور القديمة:”أود الإشارة إلى لوحين من الشمع. أحدهما هو أقدم لوح شمع عائد إلى عهد الإمبراطور هادريان ويعتبر شهادة ميلاد بلدة روشيا مونتانا.
أما اللوح الثاني فهو غال جدا علي كونه أقدم عقد عمل كامل محفوظ منذ العصر القديم وحتى الآن. إنه عقد أبرم بين أشخاص من دالماسيا – المنطقة الناطقة باليونانية قدموا إلى روشيا مونتانا حيث قاموا بتأجير عمالة لديهم لمستأجر أحد المناجم. ويتضمن العقد جميع الشروط المتفق عليها قبل إيرامه ومنها عدد ساعات العمل وساعات الراحة وحتى حالات القوة القاهرة. وقد كتب العقد من قبل ما سمى بـ “كاتب قانوني” في وقت لم يكن فيه التعليم متاحا للجميع. معنى ذلك أن بلدة ألبورنوس مايور أو روشيا مونتانا استقبلت ليس العمالة اللازمة لاستغلال موارد الذهب فجسب بل أيضا موفري مختلف أنواع الخدمات ومن بينهم الكتاب القانونيون.
أثناء الحفريات الآثرية تساءلنا مرارا: لماذا يا ترى نكتشف مزيدا من الألواح الشمعية في المناجم القديمة ؟ في البداية ساد الاعتقاد بأن الألواح وضعت هناك لحمايتها والحفاظ عليها لكن بعد دراسة الأمر توصلت إلى قناعة بأنها في الواقع أرشيفات الكتاب القانونيين آنذاك أسلاف كتاب العدل في يومنا هذا .”
ما هي أبرز الأحداث التي شهدتها بلدة روشيا مونتانا في العصر القديم ؟: “ماذا حدث في روشيا مونتانا؟ لا أعرف إن كان ذلك في اليوم التالي لاحتلالها من قبل جيش الإمراطور الروماني تراجان لكن وثيقة عسكرية اكتشفت في منقطة زالاو شمال رومانيا وتحمل تاريخ الحادي عشر من آب أغسطس عام 106 الميلادي تصف بلاد الداك – داتشيا بمقاطعة خالية من العمليات العسكرية. فبعد فتح داتشيا وانتهاء الحرب أطلق الإمبراطور تراجان سراح جنوده فعرفت داتشيا السلام والهدوء مجددا. لا أعرف ما إذا كان الرومان موجودين في بلدة روشيا مونتانا في شهر آب أغسطس عام 106 الميلادي ولكنهم كانوا هناك بالتأكيد في شهر أيلول سبتمبر. لقد جاءوا إلى داتشيا بقوة هائلة جالبين معهم مستوطنين من جميع أنحاء العالم الروماني وبدأوا باستغلال موارد المنطقة على نطاق واسع. أما الأعمال التي نفذوها في المناجم فمثيرة للإعجاب لأنها تظهرمهارة استثنائية وقدرات هندسية فائقة.فقد حفروا أنفاقا للبحث وأخرى لاستخراج المعادن واستفادوا من النمو السكاني المتسارع الذي شهدته المنطقة وأقاموا ما لا يقل عن ثماني مستوطنات.”
في السابع والعشرين من يوليو تموز عم 2021 أدرجت بلدة روشيا مونتانا في قائمة اليونسكو للتراث العالمي اعترافا بقيمتها التاريخية الفريدة ولكنها أدرجت أيضا في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر بعد طرح مشروع استغلال مناجم الذهب فيها في عام 2013 من جهة ونظرا لضرورة الحفاظ على المناجم الرومانية القديمة من جهتة أخرى . أما اليوم فتسعى بلدة روشيا مونتانا إلى بناء مستقبلها على السياحة التاريخية والبيئية مستثمرة المناجم الرومانية القديمة والمناظر الطبيعية الخلابة في قلب جبال أبوسيني.