حكايات من العصور الوسطى وتقاليد بوكوفينية
نستكشف اليوم التراث الثقافي والتاريخي لشمال شرق رومانيا، ونتعرف على اثنين من أهم وأروع المعالم السياحية في منطقة بوكوفينا التاريخية.
Daniel Onea, 30.04.2026, 13:37
ستأخذنا محطتنا الأولى في رحلة عبر الزمن، تحديدًا إلى أواخر القرن الرابع عشر، إلى قلعة سوتشيافا. يخفي هذا الحصن المهيب سرًا تاريخيًا وحقيقة تاريخية: فقد دخل التاريخ كحصن لم يُهزم قط في معركة. فعلى سبيل المثال، في عام 1476، قاوم ببسالة حصارًا قاده السلطان محمد الثاني، فاتح القسطنطينية.
يرافقنا كونستانتين إميل أورسو، المدير العام للمتحف الوطني في بوكوفينا، في جولة داخل أسوار هذه القلعة العريقة التي تُعدّ رمزًا من رموز مولدافيا في العصور الوسطى.
كان الجزء الشرقي من رومانيا دولة مستقلة حتى عام 1859، حيث كان إمارةً يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر، في شمال شرق البلاد، وتحديدًا في منطقة سوتشيافا. وكانت قلعة سوتشيافا رمزًا لحصون حكام مولدوفا. وإلى جانب دورها الدفاعي، ضمت القلعة دار سك العملة وخزانة الدولة، ما جعلها ذات أهمية بالغة في النظام الدفاعي والاقتصادي لمولدوفا. شُيّد هذا المعلم في أواخر القرن الرابع عشر، ووُثّق لأول مرة عام 1388، في عهد الأمير بيترو الأول موشات. وشهدت القلعة مراحل توسع عديدة، كان أهمها في القرن الخامس عشر، في عهد الحاكم شتيفان الكبير. فقد وسّع ستيفان التحصينات ببناء جدارين خارجيين، وجدار مضاد، وخندق دفاعي بعرض عشرة أمتار تقريبًا.
رغم صمودها أمام جيوش العدو، سقطت قلعة سوتشيافا ضحيةً للمناورات السياسية. فقد كان ألكسندرو لابوشنيانو هو من نقل العاصمة إلى ياشي، المدينة الخالية من التحصينات، وذلك تحديدًا لتلبية متطلبات الباب العثماني الصارمة. وهكذا، دخلت هذه القلعة الشامخة في فترة طويلة من التدهور، حتى هُدمت. وبعد أكثر من قرنين من النسيان، لفتت أطلالها أنظار المهندسين المعماريين. ويواصل كونستانتين إميل أورسو سرد قصة إحياء القلعة.
بعد أوج ازدهارها، ظلت القلعة الهدف الرئيسي للمنطقة طالما كانت عاصمة مولدوفا في سوتشيافا. ومع نقل العاصمة إلى ياشي على يد الحاكم ألكساندرو لابوشنيانو، تراجعت أهمية سوتشيافا، على الرغم من أنها ظلت نقطة جيوسياسية استراتيجية حتى بعد عهد فاسيلي لوبو. في نهاية القرن السابع عشر، دُمرت القلعة بأمر من الإمبراطورية العثمانية. ولم تُكشف آثارها إلا في نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ مثقفو سوتشيافا، بالتعاون مع المهندس المعماري النمساوي كارل رومستورفر، أعمال تنقيب واسعة النطاق في الموقع. وبفضل الدقة التي أُجريت بها هذه الحفريات والقياسات المعمارية الأولى، يضم متحفنا اليوم مجموعة قيّمة للغاية من القطع الأصلية.
اليوم، لم تعد قلعة سوتشيافا مجرد نصب تذكاري صامت. فقد أعادت أعمال الترميم الواسعة إليها الحياة، لتصبح مشهداً نابضاً بالحياة في بوكوفينا. إنها تمثل ظاهرة رائعة، حيث استطاعت الخنادق الدفاعية العميقة، التي بُنيت في الأصل لصدّ الأعداء، أن تجمع آلاف الزوار وتوحدهم من خلال قوة الموسيقى والفن.
إلى جانب ورش العمل التعليمية للجيل الشاب، يستضيف متحف “تشيتاتيا دي سكاون” حدثين رئيسيين سنوياً للجمهور. الأول هو مهرجان “شتيفان الكبير” لفنون العصور الوسطى، الذي يُقام في منتصف أغسطس. وهو المهرجان الوحيد من نوعه الذي يُنظّمه متحف في رومانيا، ويُعدّ من أهم المهرجانات على المستوى الوطني. أما الحدث الرئيسي الثاني فهو مهرجان موسيقى الروك، الذي يُقام طوال فصل الصيف في الخندق الدفاعي للمتحف.
نفتتح الآن أبواب متحف قرية بوكوفينا. يحمل هذا المتحف رقماً قياسياً خاصاً به: فرغم أنه يعيد بناء عالم يعود لقرون مضت، إلا أنه أحدث متحف للفنون الشعبية في الهواء الطلق في رومانيا. يشرح لنا كونستانتين إميل أورسو العلاقة الوثيقة بين ثراء غابات محافظة سوتشيافا والعمارة التقليدية.
يُعدّ متحف قرية بوكوفينا أحد أحدث متاحف الفنون الشعبية في الهواء الطلق في رومانيا. ويركز المعرض على العمارة الخشبية التقليدية، وهي مادة أساسية لهذه المنطقة، نظرًا لأن الغابات تغطي 60% من مساحة محافظة سوتشيافا الحالية. وتعكس قرية بوكوفينا التعايش المتناغم بين الرومانيين والجماعات العرقية الأخرى في المنطقة، بما في ذلك الألمان والبولنديين والأوكرانيين واليهود والإيطاليين. ويعيد المتحف بناء مستوطنة تقليدية بدقة، بما في ذلك المنازل والمباني المجتمعية والمنشآت التقنية التي تُجسّد مهن وحرف وأسلوب حياة السكان.
من أبرز ما يميز هذا المتحف هو طابعه العملي للغاية، إذ لا يكاد يوجد فيه شيءٌ للزينة فحسب. فالتصميم الداخلي مُنظّمٌ على نحوٍ أصيل، والأفران تعمل بكفاءة، وفي الكنيسة التي جُلبت من بلدة فاما، وهي معلمٌ بُني عام 1783، تُقام فيها شعائر دينية حقيقية أيام الآحاد والأعياد. إنه المكان الأمثل الذي يُجسّد جوهر الحياة الريفية بكل تفاصيلها.
لكل منطقة صغيرة في بوكوفينا نمط حياة خاص بها، وهو جانب ينعكس أيضًا في تصميم المتحف. يمكن للزوار استكشاف ورشة فخار، وكنيسة عاملة، ومدرسة، وحانة، ومطعم شعبي، ومنزل ريفي تقليدي. يعكس هذا المكان تمامًا جوهر قرية بوكوفينا. كما يضم قسم ثانٍ منازل مبنية. يحظى المتحف بإقبال كبير من السياح الأجانب والرومانيين على حد سواء. مع الأسف، فقد العالم الريفي أهميته في المناطق الحضرية، واليوم توجد أجيال لم يعد لديها أجداد في الريف. من ناحية أخرى، يمثل التواصل مع حضارتنا الريفية تجربة آسرة للزوار الأجانب، وخاصة إعادة تمثيل طقوس العبور التقليدية، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: المعمودية، والزواج، والجنازة.
لذا، سواء اخترتم استكشاف أسوار قلعة سوتشيفا المنيعة أو إعادة اكتشاف الإيقاع المستقر لأجدادكم، فإن الماضي في متحف قرية بوكوفينا أكثر حيوية من أي وقت مضى في هذه المنطقة.