تحليل للفقر في رومانيا
يواجه أكثر من ربع السكان في رومانيا خطر الفقر والإقصاء الاجتماعي.
Roxana Vasile, 03.06.2026, 13:30
يُعدّ أكثر من ربع الرومانيين مُعرّضين لخطر الفقر والإقصاء الاجتماعي، ويُصنَّفون، إلى جانب البلغاريين واليونانيين، ضمن الفئات الأكثر عرضةً لهذه المخاطر في الاتحاد الأوروبي.
الحكومة في بوخارست مؤخرًا، عبر وزارة التنمية والأشغال العامة والإدارة، تحليلًا مُفصّلًا لكل وحدة إدارية-إقليمية، وهو أحد أكثر الدراسات التي أُجريت حتى الآن شمولاً على المستوى المحلي. ووفقًا للوثيقة، تُسجَّل أعلى معدلات الفقر في مولدوفا، وجنوب مونتينيا، وأولتينيا، بالإضافة إلى وسط ترانسيلفانيا، حيث يساهم غياب البنية التحتية، و تعثر التنقّل، وانخفاض مستويات التعليم في تفاقم الهشاشة الاجتماعية. في هذه المناطق، يُعاني السكان من سوء الطرق التي تعزلهم، وصعوبة الوصول إلى المدارس والمستشفيات، وقلّة فرص العمل وضعف الأجور. وكل عامل من هذه العواملَ يفاقم عاملاً آخراً، مما يُشكّل حلقةً مُفرغةً، يصعب الخروج منها دون دعم.
ثم، يبرز التباين الصارخ بين المناطق الريفية والمراكز الحضرية الكبرى. بمعنى آخر، إذا وُلد مواطن روماني أو عاش بالقرب من مدينة كبيرة، فإن فرص عيشه لحياةً كريمةً تفوق بكثير فرص عيشه في قرية معزولة (على سبيل المثال، في شمال شرق البلاد). بمزيد من التفاصيل يوافينا عالم الاجتماع/ فلاديمير يوناش:
“توجد دول مثل رومانيا، حيث كان الهدف الرئيسي للاستثمارات ولجميع السياسات العامة خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية هو تنمية المناطق الحضرية الكبرى. أما المناطق الريفية والمراكز الحضرية الصغيرة فقد أهملت. ومع تراجع الصناعة بعد عام 1990، لم تزد هذه المراكز الحضرية الصغيرة إلا فقرًا. هجرة السكان إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي أدت إلى بقاء كبار السن والأطفال في هذه المناطق بشكل رئيسي. ومن هنا تأتي النسب المرتفعة جدًا للأطفال المعرّضين لخطر الفقر في رومانيا. أما السياسات العامة الحكومية الرامية إلى تحسين حياتهم خلال الثلاثين عامًا الماضية فقد كانت شبه معدومة. إذا نظرنا، للأسف، في رومانيا إلى النقاشات الجادة حول كيفية تقديم دعم حقيقي من الدولة للأطفال، وتشجيع معدل المواليد، وحل المشكلة الديموغرافية، ومساعدة الأشخاص المعرّضين لخطر الفقر، فسنجد أنها لم تجلب أية نتائج ملموسة”.
بالرغم من أن أكثر من ربع السكان معرّضون لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، إلا أن رومانيا، نظريًا، تُسجّل معدل بطالة منخفضًا نسبيًا. وإليكم كيف يُفسّر فلاديمير يوناش هذه المفارقة:
“عندما ننظر إلى البيانات الرسمية ونرى معدل البطالة منخفض جداً، يجب أن نأخذ في الحسبان حقيقة وجود أشخاص مسجّلين فعلياً في الإحصاءات الرسمية كمتلقّين لإعانات البطالة، أو يمرّون بهذه الفترة مباشرةً بعد حصولهم عليها، بينما يوجد لدينا في المناطق الريفية، والمراكز الحضرية الصغيرة، عدد هائل من العاطلين عن العمل، لكنهم مكتفون ذاتيًا. ومن هنا يأتي العدد الكبير جدًا، على سبيل المثال، من المزارع الصغيرة، والمزارعين الصغار في رومانيا، مقارنة بدول أوروبية أخرى. إنها مسألة ثقافية تعود جذورها إلى ما قبل عام 1990، ولا تزال متجذّرة بقوة في المناطق الريفية في رومانيا.“
إلى جانب الفقر العام، يحلل التقرير الحكومي ظاهرةً أقل شيوعًا في النقاش العام: فقر الطاقة، أي نسبة السكان الذين لا يستطيعون ضمان الحد الأدنى من استهلاك الطاقة، لا سيما في فصل الشتاء. ومع ذلك، يُبرز التحليل مستوىً مرتفعًا من فقر الطاقة، خاصةً في المناطق الريفية الموجودة في جبال الكاربات. وهناك، يقضي عشرات الآلاف من الرومانيين فصل الشتاء في منازل سيئة التدفئة، وينفقون جزءًا كبيرًا من دخلهم على الحطب أو مصادر الطاقة الأخرى، أو يتحمّلون البرد القارس.
البرنامج الوطني الرئيسي للمعونة الاجتماعية المكرسة للأفراد والأسر التي تعاني من ضائقة مالية، هو الدخل الأدنى للإندماج. العديد من الأسر في رومانيا تستكمل دخلها الشهري بهذا الدعم الاجتماعي المتواضع أصلًا، لكن في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الفقر، ينتهي الأمر بالكثيرين إلى الاعتماد كليًا على دعم الدولة لتأمين احتياجاتهم الأساسية. توجد بضع مناطق دون أي مستفيد من الدخل الأدنى للاندماج، ليس دليلًا على حسن سير الأمور، بل قد يدلّ، في بعض الحالات، على أن المستحقين للمساعدة لا يتلقّونها بسبب جهلهم بوجودها، وعدم قدرتهم على الوصول إلى المؤسسات المختصة، وتقاعس السلطات المحلية عن توجيههم.
وبشكل آخر، غالبًا ما ُتقلَّص السياسات العامة في رومانيا الداعمة للفئات الأكثر عرضةً للفقر، بغضّ النظر عن أعمار الأشخاص المنتفعين، خصوصًا في أوقات التقشّف الصعبة، حتى تصل أحيانًا إلى حدّ إلغائها، تحت مسمى تقليص نفقات الميزانية العامة. عالم الاجتماع/ فلاديمير يوناش يشرح لنا مجدداً:
“رومانيا –لم تعرف أو لم تُرِد ذلك أبداً – سواءً الطبقة السياسية، أو الناس الذين امتلكوا القدرة على اتخاذ القرار، ربط الحضور إلى المدرسة، بشكل أو آخر، مع تلقي المعونة الاجتماعية، أو بأي مساعدة تقدمها الدولة، من منظور تشجيع الأطفال على الذهاب، يوماً بعد يوم، إلى المدرسة. إن هذه المعونة التي تقدمها الدولة عبر مائدة دافئة، بالنسبة لكثير من المواطنين من ساكني المناطق الريفية أو المناطق الحضرية الصغيرة، كان لها وقعاً كبيراً جداً، ولكن من هنا، اعتبرت الدولة، كان للمساعدة التي قدمتها، من خلال وجبة ساخنة، أثرٌ بالغٌ على العديد من المواطنين في المناطق الريفية والحضرية الصغيرة، ولكن حتى هنا، كانت الدولة تعتبرها ملاذًا عند مواجهة مشكلة اقتصادية أو مالية. أعتقد أن النقاشات – وقد لاحظتُ أن المفوضية الأوروبية تُولي اهتمامًا كبيرًا لهذين الجانبين – يجب أن تُركز في الفترة المقبلة على كل ما يتعلق بالدعم الذي يمكن أن تقدمه الدول للأطفال، لأننا، من جهة، نُدرك أن إحدى أكبر المشاكل على المستوى الأوروبي هي المشكلة الديموغرافية، وخاصة معدل المواليد. لذلك، يجب وضع سياسات عامة لتشجيع هذا الجانب، ومساعدة الأطفال. ثانيًا: الأشخاص الذين يعانون من إعاقات، حيث توجد مشكلة كبيرة هنا أيضًا!”
باختصار، الصورة قاتمة في رومانيا: انخفاض عدد السكان، وشيخوخة متسارعة؛ تنقل جغرافي عال، وتركز حول المراكز الحضرية الكبرى، أو تزايد أعداد المغتربين؛ تفاوتات كبيرة في فرص العمل، وسرعة تأثر اجتماعية. أما الأطفال وكبار السن والأشخاص النشطين، ولكن الذين يفتقرون إلى التعليم الجيد، أو الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة، فيدخلون في حلقة مفرغة من الفقر، يصعب الخروج منها، بشكل متزايد دون سياسات اجتماعية مدروسة جيداً.