التعليم – بين الإحصائيات المقلقة والحاجة إلى تغيير حقيقي
استنتاجات دراسة "مقياس الرفاه" تؤكد أن التعليم يمثل أحد أكثر عناصر جودة الحياة ضعفا وهشاشة في رومانيا بما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة على المهارات الأساسية وفرص الوصول إلى وظائف.
Diana Baetelu, 06.05.2026, 15:30
يمثل التعليم أحد أكثر جوانب جودة الحياة هشاشة في رومانيا بحسب أحدث دراسة أجرتها مؤسسة “مير” بطلب من الاتحاد الوطني لشركات التأمين وإعادة التأمين في رومانيا تحت عنوان “مقياس الرفاه”.
فقد حقق نظام التعليم في رومانيا ست نقاط فاصلة خمسة وثمانين من أصل عشر نقاط متقدما على نظيره في بلغاريا فقط وبفارق يقل عن نقطة واحدة وهذه النتيجة هي الأضعف بين الدول المنطقة التي شملتها الدراسة وهي بولندا التي احتلت مركز الصدارة بثمان نقاط فاصلة ثلاثين تلتها جمهورية التشيك بسبع نقاط فاصلة سبعة وتسعين فالمجر بسبع نقاط فاصلة ثمانية وثلاثين فسلوفاكيا بست نقاط فاصلة سبعة وثمانين. وأظهرت استنتاجات الدراسة الصعوبات التي تواجهها عمليات إدماج الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في الفصول المدرسية العادية وتكوين المهارات الأساسية وإعداد الطلاب لسوق العمل. ولكن أحد أكثر الاسنتناجات إثارة للقلق يتعلق بالتسرب المدرسي المبكر.
أحدث تقارير مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” تشير إلى أن نسبة الشباب الرومانيين في سن الثمانة عشرة إلى الرابعة والعشرين الذين يتركون المدرسة مبكرا ولا يلتحقون ببرنامج للتكوين المهني هي الأعلى بين دول الاتحاد الأوروبي وقدرها ستة عشر فاصلة ثمانية بالمائة مقابل متوسط أوروبي قدره تسعة بالمائة. هذا يعني أن شابا واحدا من بين كل ستة شباب رومانيين يدخل مرحلة البلوغ دون أن يكون قد تعلم ما فيه الكفاية من المهارات بحيث يتمكن من الحصول على وظيفة وبالتالي على الاستقرار المالي على المدى الطويل. عالمة النفس أوانا بويكان علقت على استنتاجات الدراسة :”علم النفس يفسر استنتاجات “مقياس الرفاه” على انها دليل على هشاشة نظام التعليم في رومانيا فضلا عن كونها تقييما للأداء المدرسي بصورة عامة . كما أن استنتاجات الدراسة تحدثنا عن العلاقة بين الطفل والمجتمع والعالم من حوله . فنظام التعليم هو أول فضاء اجتماعي يتعلم فيه الطفل الثقة والتعاون والانتماء إلى المجتمع كجزء لا يتجزأ منه. ولكن عندما يكون الوصول إلى التعليم غير منتظم أو غير متكافئ فإن آثار ذلك تتجاوز نطاق التعليم إلى التطوير الشخصي والاجتماعي لتؤدي إلى انخفاض الثقة بالنفس والعجز عن التكيف مع التغييرات. كما أن الطفل الذي حالته المادية أضعف مقارنة بزملائه أو يتعلم بصعوبة ولا يحصل على الدعم التعليمي الكافي قد يقتنع في نهاية المطاف بأنه غير كفؤ أو بأن الفرص المتوفرة ليست من نصيبه.”
التفاوتات التي تشير إليها دراسة “مقياس الرفاه” تتجلى كذلك على صعيد المهارات الرقمية. فقد تبين أن أقل من سبعة وعشرين بالمائة من الرومانيين فقط يملكون مهارات رقمية أساسية في حين يتجاوز المتوسط الأوروبي خمسة وخمسين بالمائة. فمثل هذا الفرق الواسع يمثل إشكالية كبرى في نظام اقتصادي يزداد اعتماده على التكنولوجيا. كما أن اثني عشر بالمائة من الرومانيين فقط يملكون مهارات مالية أعلى من المتوسط وهذا يعني أن باقي الرومانيين يواجهون صعوبات كبيرة في فهم آليات الادخار والإقتراض والحماية المالية. أوانا بويكان تطرقت أيضا إلى التفاوتات المعرفية والتعليمية بين الشباب :
” هناك شباب يملكون المعلومات اللازمة لكنهم يفتقرون إلى الثقة بمسارهم في الحياة أو في قدرتهم على اتخاذ القرارات الصائبة. كما أن الشباب يتكيفون مع التكنولوجيا بسرعة لكنهم يواجهون صعوبات في العلاقات الاجتماعية. من جانب آخر فإن ضعف المهارات المعرفية والعاطفية يحد من قدرتهم على التواصل وخوض الحوار والتفاوض من أجل حل الخلافات وإقامة العلاقات المستقرة.
من جانب آخر حذرت الدراسة من التفاوت الكبير في جودة التعليم بين المدن والأرياف . ففي رومانيا تبلغ نسبة التلاميذ الذين يدرسون في مدارس ريفية نحو اثنين وأربعين بالمائة من إجمالي عدد التلاميذ بيد أن فرص هولاء للوصول إلى الموارد التعليمية والتكنولوجيا والمدرسين المتخصصين محدودة للغاية. كما أن الاختبارات الدولية من قبيل اختبارات “بيسا ” تبرز تفاوتا كبيرا في مستويات الأداء المدرسي بين تلاميذ المدن وتلاميذ الأرياف بما يترتب على ذلك من تأثيرات على فرص الالتحاق بالمدارس الثانوية والجامعات لاحقا والاندماج في سوق العمل.عالمة النفس أوانا بويكان:
“على المدى البعيد فإن التفاوتات في المستوى التعليمي لا تؤثر على المسيرة المهنية للشاب مستقبلا فحسب بل تؤثر أيضا على كيفية إدارته لعلاقاته وتواصله مع الآخرين ومدى ثقته بقراراته وقدرته على بناء وتعزيز استقلاليته. أما على الصعيد الاجتماعي فإن الآثار النفسية تتجلى في نظرة الشباب إلى المستقبل. فكلما تدنى المستوى التعليمي للشاب يزيد ميله إلى الانطواء وشعوره بعدم الاطمئنان بشأن المستقبل ليصبح عاجزا عن التخطيط والاستثمار في مشاريع طويلة الأجل.”
التعلم لا يقتصر على اكتساب المهارات بل يساهم في بناء بنية عاطفية سليمة. لايعني مجرد اكتساب للمعرفة وإنما ممارسة التعايش عبر الاستماع والانتظار والتواصل والتعاون. تداعيات تدنى المستوى التعليمي على المجتمع بمرته سرعان ما تبرز على شاكلة الاستقطاب الاجتماعي وانعدام الثقة وهشاشة الروابط الاجتماعية. لذا فإن الاستثمار في التعليم هو استثمار في الصحة النفسية للمجتمع بمرته على المدى البعيد بحسب عالمة النفس وانا بويكان.
الخلاصة أن التعليم يمثل بنية تحتية أساسية للرفاه الاجتماعي. فعلاقة الطفل بالمدرسة والتعلم تؤثر على الوضع الاقتصادي للأسرة لاحقا وعلى قدرة المجتمع على التكيف وفي نهاية المطاف على قدرة الدولة على الصمود.