النور الذي يشع في وسط بوخارست
في السادس والعشرين من أكتوبر تشرين الأول الماضي افتتحت في بوخارست الكاتدرائية الوطنية بعد أكثر من قرن من طرح أولى المبادرات المطالبة ببنائها وبعد خمسة عشرعاما من بدء أعمال البناء
Diana Baetelu, 17.11.2025, 15:30
على امتداد ثلاثة قرون كانت كاتدرائية القديسين بطرس وبولس التي بناها القيصر الروسي بطرس الأكبر في مدينة سانت بطرسبرغ أطول كنيسة أرثوذكسية في العالم. وفي السادس والعشرين من أكتوبر تشرين الأول الماضي افتتحت في بوخارست الكاتدرائية الوطنية بعد أكثر من قرن من طرح أولى المبادرات المطالبة ببنائها وبعد خمسة عشرعاما من بدء أعمال البناء. وبتلك المناسبة أقام بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية دانيال صحبة الزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس في العالم بطريرك القسطنطينة المسكوني برثلماوس الأول قداس تكريس جدرايات الكنيسة بحضور وفد كبير من رجال الدين وآلاف الحجاج.
فكرة بناء كاتدرائية وطنية طرحت للمرة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد نيل رومانيا استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية عام 1877. ففي عام 1882 وقع الملك كارول الأول أول المرسوم القاضي ببناء كادرائية وطنية ولكن الظروف التي عاشت رومانيا في ظلها في العقود التالية مع اندلاع حربين عالميتين وثم الحكم الشيوعي لأكثر من خمسة وأربعين عاما والذي أعقبته مرحلة انتقالية هشة حالت دون ترجمة المشورع على الأرض .
بعد عام 2007 أعيدت الفكرة إلى الواجهة مرة أخرى فأقرت الحكومة بالاشتراك مع البطريركية الرومانية قانون بناء الكاتدرائية الوطنية. وقد تم تشييدها في المركز الجديد للعاصمة بالقرب من قصر البرلمان لتكون رمزا للاستمرارية والأمل. لكن الكاتدرائية الوطنية تمثل أيضا تحديا للمستقبل: كيف يمكن تحويل الرموز التي تحملها إلى أفعال من شأنها دعم للمحتاجين بمشاريع تعليمية وثقافية واجتماعية ؟
الطراز المعماري الذي بنيت به الكاتدرائية يجمع بين العناصر الرومانية التقليدية والعناصر البيزنطية والغربية. يبلغ طول أعلى قببه الذهبية مائة وسبعة وعشرين مترا وتغطي جدرايات الفسيفساء خمسة وعشرين ألف متر مربع وهي مصنوعة من الحصاة الملونة بأكثر من ألفين وخمسمائة لون ومواد مستوردة من البندقية وكارارا.
البطريرك المسكوني برثلماوس الأول أشاد في حفل تكريس جداريات الكاتدرائية بالقيمة الروحية والفنية للأيقونات المصنوعة من الفسيفساء :”الجداريات التي تمتمد من القبة إلى أيقونة السيدة العذراء في المذبح المقدس وأيقونات القديسين تبدو وكأنها تنزل إلى الأرض من أعالي السماء. فقد تجسد فن الأيقونات والفسيفساء البيزنطي في روائع فريدة خالدة نشاهدها كذلك في القسطنطينية.”
القديس الراعي للكاتدرائية الوطنية هو الرسول أندراوس حامي رومانيا. وقد زين البرج الرئيسي بأيقونة للسيد المسيح بقطر اثني عشر مترا ويحتل وجه المسيح أربعة أمتار ونصف المتر المربع من مساحتها . أما أيقونة السيدة مريم العذراء فيبلغ طولها ستة عشر مترا وهي أكبر جدارية من الفسيفساء تمثل السيدة مريم العذراء في رومانيا وإحدى أكبر الجداريات من نوعها في العالم الأرثوذكسي.
وقد عمل أكثر من مئتين من الفنانين المتخصص في فن الفسيفساء البيزنطي لمدة سبع سنوات لصنع تلك الجداريات مسخدمين حوالي عشرن ألف حصاة صغيرة لكل متر مربع. الرسام دانيال كودريسكو منسق فريق الفنانين :”هذا المزيج من الأبيض والذهبي ينير المكان بشكل رائع. وقد وضعنا اللون الذهبي في المناطق الرئيسية للأيقونات فقط – على سبيل المثال في أيقونة السيدة مريم العذراء وفي الحنايا ومع ذلك ساهمت العناصر الذهبية تلك في إثراء وإنارة المناطق المجاورة كلها .”
تتسع الكاتدرائية لخمسة آلاف شخص وتضم أكبر حاجز أيقوني في العالم فيه خمس وأربعون أيقونة موزعة على أربعة صفوف . وقد نظم تحت أرض ساحة الكاتدرائية “كهف القديس أندراوس” الذي يتسع لستة آلاف شخص وصمم خصيصا لاستضافة الفعاليات الثقافية والتربوية والمتاحف.
معظم الرومانيين يعتبرون الكاتدرائية الوطنية رمزا للهوية والاستمرارية والإيمان بينما يتساءل آخرون عن أولويات مجتمع بات بأمس الحاجة إلى التعليم والصحة والبنية التحتية ذات الجودة العالية. فقد بلغت تكاليف بناء الكاتدرائية حتى الآن حوالي مئتين وسبعين مليون يورو من التبرعات والأموال العامة ومساهمات البطريركية . وقد شكر البطريرك دانيال المانحين على مساهتمهم في بناء الكاتدرائية : “نشكر جميع المحسنين والرعاة والمتبرعين المجهولين منهم والمعروفين على دعمهم في تحقيق أمنية الرومانيين هذه وفي ذات العام الذي نحتفل فيه بالذكرى المئوية للبطريركية الرومانية.”
حرصت البطريركية على أن يقام قداس تكريس جداريات الكاتدرائية الوطنية في العام الذي يصاف مئوية ترقية الكنيسة الأرثودسية الرومانية إلى رتبة البطريركية والذكرى الأربعين بعد المائة لاعتراف البطريركية المسكونية بالقسطنطينية باستقلال الكنيسة الأرثودسية الرومانية.