تحديات أمنية في البلقان
"العملية الخاصة" التي شنتها موسكو على أوكرانيا قبل نحو أربع سنوات أثرت بشكل كبير في موازين القوى على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
Diana Baetelu, 12.01.2026, 15:30
“العملية الخاصة” التي شنتها موسكو على أوكرانيا قبل نحو أربع سنوات أثرت بشكل كبير في موازين القوى على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وقد أدى النزاع إلى تدهور العلاقات بين روسيا والغرب وأضعف موقف موسكو الاستراتيجي في أوروبا لكنه عزز وحدة الغرب وأعاد تحديد الأولويات الأمنية في العالم أجمع . إنه أحد أعمق تصدعات النظام الدولي منذ الحرب الباردة. من جانب آخر أثرت الحرب في أوكرانيا على أمن البلقان وإن كانت المنطقة غير متورطة عسكريا في النزاع بشكل مباشر.
جورجي سكوتار المدير العام لمركز الاستراتيجية الجديدة وهو مركز أبحاث مستقل تطرق إلى التحديات الأمنية في البلقان وتداعيات الحرب في أوكرانيا على منطقة البحر الأسود على وجه خاص : “نتحدث هنا عن ثلاثة مستويات : أولها العمليات الهجينة إذ إن الحرب في أوكرانيا لا تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة بل تتضمن أيضا العديد من العمليات الهجينة في أوروبا ومنطقة البحر الأسود والبلقان وهي عمليات تندرج في إطار سياسة الترويج للروايات المضللة الروسية الهادفة إلى الحفاظ على صورة إيجابية لروسيا لدى الدول المعنية بيد أن روسيا هي الدولة المعتدية على أوكرانيا. من جانب أخر تهدف العمليات الهجينة إلى إضعاف الدعم لأوكرانيا من قبل بعض الدول ومنها كرواتيا وبلغاريا اللتان كان لهما دور هام في تزويد أوكرانيا بأنواع معينة من الذخائر.
ثانيا – لروسيا نفوذ تاريخي في البلقان يقوم على العامل الديني الأرثوذكسي والعامل السلافي في الوقت نفسه. كما أن نفوذ روسيا لا يزال قويا في بلغاريا وصربيا فيما تسعى موسكو للحفاظ على نفوذها في البوسنة والهرسك بواسطة نظام دوديك في جمهورية صرب البوسنة بحيث يصبح في مقدروها فتح جبهة جديدة واستخدامها لخلق مشاكل إضافة من أنها إجبارالغرب تبجإدارة قضايا أمنية أخرى في المنطقة غير قضية الدعم لأوكرانيا .”
المستوى الثالث يتعلق بتعامل دول المنطقة مع الآثار الجانبية للحرب في أوكرانيا ومن بينها إمدادات الطاقة حيث كشفت الحرب ضعف دول البلقان من هذه الناحية بسبب اعتمادها على موارد الطاقة الروسية بحسب المدير العام لمركز الاستراتيجية الجديدة. فأزمات الإمداد وارتفاع الأسعار زادت من حدة التوتر الاجتماعي في دول المنطقة وأبرزت الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة ومساراتها. في هذا السياق تكتسب منطقة البحر الأسود وممرات الطاقة في جنوب شرق أوروبا أهمية استراتيجية كبيرة :” بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل بلغاريا تمكنت من حل مشكلة الاعتماد على الغاز الروسي وإيجاد بدائل لواردات الغاز. ولكن صربيا لا تزال تعتمد على الطاقة المستوردة من روسيا. من جانب آخر نشهد تنامي نفوذ لاعبين آخرين مثل الصين التي تتبع نهجا أكثر نعومة لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في البلقان لا سيما عبر الاستثمار في دول المنطقة .”
كيف يمكن لرومانيا أن تستغل موقعها الاستراتيجي في المنطقة ليس كدولة عضو في حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي فحسب بل كداعم للاستقرار؟ استغلال موارد الغاز في البحر الأسود وتطوير البنية التحتية لنقل الطاقة والربط مع الدول المجاورة من شأنها أن تقلل من اعتماد المنطقة على روسيا وتعزز أمن الطاقة في البلقان. أما على الصعيدين الاستراتيجي والعسكري فيمكن لرومانيا المساهمة في أمن البلقان عبر تعزيز الجناح الشرقي لحلف الأطلسي والمشاركة الفاعلة في مبادرات التعاون الإقليمي:”رومانيا دولة لا تحمل ضغائن تجاه الآخرين ولا توجد في البلقان دولة لها مواقف سلبية تجاه رومانيا وهذه ميزة كبيرة .ثانيا رومانيا إلى جانب تركيا هي الدولة الأهم من الناحية العسكرية في الجناح الشرقي لحلف الأطلسي . طبعا لا يمكن مقارنة رومانيا بتركيا – ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف ومع ذلك فإن القدرات التي تقوم رومانيا بتطويرها عاما بعد عام تساهم في زيادة أهميتها العسكرية . ما يهمنا هو تجنب السيناريوهات السلبية بشأن تطورات الوضع على الجبهة الأوكرانية. فبالنسبة لرومانيا أسوأ سيناريو هو ظهور حدود لها مع روسيا. وهذا قد يحصل لو تضررت الجبهة الأوكرانية بشكل كببير وأصبح بإمكان روسيا الوصول إلى مبناء أوديسا ومنه إلى مصب الدانوب. وفي مثل هذه الحالة سيكون في مقدور روسيا أن تحتل جمهورية مولدوفا لأن مولدوفا ليس لديها جيش ولا يوجد فيها العمق الاستراتيجي اللازم لامتصاص صدمة الغزو.”