رومانيا ومجموعة السبع والسبعين
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اضطرت رومانيا وقد عانت من صدمة التحولات العميقة والقاسية التي طرأت عليها بعد تولي الشيوعين السلطة بدعم مباشر من السوفييت إلى انتهاج سياسيات متطابقة مع الأيديلوجية الماركسة اللينينية
Diana Baetelu, 16.05.2026, 15:30
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اضطرت رومانيا وقد عانت من صدمة التحولات العميقة والقاسية التي طرأت عليها بعد تولي الشيوعين السلطة بدعم مباشر من السوفييت إلى انتهاج سياسيات متطابقة مع الأيديلوجية الماركسة اللينينية . فمنذ عام 1945 وحتى انحساب الجيش السوفييتي من رومانيا عام 1958 انصاعت الدبلوماسية الرومانية شأنها شأن الدول الاشتراكية الأخرى لأوامر الاتحاد السوفيتي .
وقد برزت آنذاك شخصية نيكولاي تيتوليسكو – رجل السياسة المخضرم الذي وضع أسس دبلوماسية من طراز جديد بدأت تتجلى على الأرض أوائل الستينيات. وكانت مسيرته الدبلوماسية انطلقت في الفترة ما بين الحربين العالميتين عندما دافع بلا كلل عن معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى وانتهج سياسة مناهضة للفاشية . ففي سيتنيات القرن الماضي وبعد انحساب القوات السوفييتية من رومانيا بدأ المسؤولون السياسيون بانتهاج سياسة خارجية خاصة برومانيا كفيلة بتحقيق مصالحها.
على الصعيد العالمي تزامنت خمسينيات وستينيات القرن العشرين مع نهاية عصر الاستعمار وإعادة النظر في العلاقات الدولية ضمن ما سمي ب”النظام العالمي الجديد”. فبدأت دول العالم الثالث أوما يعرف اليوم بالجنوب العالمي وقد تحررت من نير الرأسمالية والاستغلال بطبيق نموذج حكم مختلف عن النموذجين الرأسمالي والاشتراكي هدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي.
ورغم أن دول الجنوب العالمي كانت أعلنت حيادها الاقتصادي والأيديولوجي عن النظامين الاشتراكي و الرأسمالي إلا أن دولا اشتراكية انضمت إليها سعيا منها إلى إيجاد حلول لأزماتها الهيكلية المتراكمة. أما رومانيا فكان أسلوب الواقعية الذي اتبعته في سياستها الخارجية الدافع الرئيسي لانضمامها إلى مجموعة دول الجنوب العالمي المعورفة بمجموعة السبع وسبعين التي كانت قد تاسست في عام 1964 تحت رعاية الأمم المتحدة وهدفت إلى تضييق الفجوة الاقتصادية بين الدول النامية والدول المتقدمة.
وقد انضمت رومانيا إلى مجموعة السبع وسبعين عام 1976 وفي عام 1978 أصبحت عضوا ذا حقوق كاملة في مكتب المجموعة التابع لليونسكو. وشاركت في مشاريع ثقافية وعلمية وبيئية. وكانت رومانيا إحدى الدول الأوروبية القليلة التي اهتمت بالتعاون مع المجموعة إلى جانب يوغوسلافيا وقبرص ومالطا.
كان ميرتشا نيكولايسكو سفيرا لرومانيا الاشتراكية لدى عدد من دول العالم . وفي مقابلة أجراها معه مركز التاريخ المروي التابع للإذاعة الرومانية عام 2001 قال نيكولايسكو إن الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية فرضت على الدبلوماسية الرومانية الانفتاح على العالم : “ماذا علمتنا الحياة؟ لقد علمتنا أن المصالح والقدرة على دعمها والترويج لها تعد من بين الأمور بالغة الأهمية في العلاقات بين الدول وأن هذه العلاقات هي علاقات قوة وأن أحدا لم يمنحنا شيئا حبا لنا.. فالسياسة الخارجية كالسلعة تماما : إن كانت جيدة تباع. فإذا كانت السياسة الخارجية تراعي مصالح الجميع تكون مقبولة أما إذا كانت لا تستجيب لخيارات وتطلعات معينة فتكون غير مقبولة . كانت سياسة رومانيا تجاه العالم الثالث بما في ذلك نظرتها إلى حركة عدم الانحياز تنطلق من إدراكها لحاجة تلك الدول إلى البقاء خارج علاقات القوة. كانت سياسة مفيدة لرومانيا إلى حد بعيد مثلما كان انضمامها إلى مجموعة السبع وسبعين”.
كانت مصر مركزا للبناء الجديد للعلاقات الدولية وموقعا لسياسة “الحياد” تجاه الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية المتناحرتين. فقد استغل الضباط المصريون بقيادة جمال عبد الناصر القوة الرمزية للحضارة المصرية القديمة والتعاطف الدولي مع القضية المصرية ومع أمنية تحرير الشعب وانتهزوا تلك الفرصة إلى أقصى حد .
السفير الروماني ميرتشا نيكولايسكو كان معجبا بشخصية عبد الناصر شأنه شأن العديد من المثقفين والسياسيين وجزء كبير من الرأي العام الدولي. وفي مقابلة أجراها معه مركز التاريخ المروي التابع للإذاعة الرومانية عام 1996 أشاد بدور جمال عبد الناصر في وضع مصر في طليعة دول العالم الثالث :”اكتسب عبد الناصر شهرة كبيرة بعد نجاحه ومجموعة من الضباط الديمقراطيين المحيطين به في سلوك مسار التحول الديمقراطي بالتوازي مع التحرر الوطني. وقد عزز ناصر ومصر حضورهما في حركة عدم الانحياز ومجموعة الـسبع وسبعين ودورهما في وضع سياسات التنمية الاقتصادية . والجدير بالذكر أن أول رئيس لمجموعة السبع وسبعين كان مسؤولا سياسيا مصريا . كانت سياسة مصر في عهد عبد الناصر سياسية عظيمة.”