جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم
في شهر سبتمر أيلول من عام 1924 شنت عناصر عميلة للسوفييت أعمال عنف في بلدة تاتاربونار جنوب منقطة باسارابيا الرومانية في تحد صريح لسيادة الدولة الرومانية. فتدخلت القوات المسلحة الرومانية لإعادة النظام إلى المنطقة. إلا أن هزيمة العملاء السوفييت أسفرت عن ظهور دولة وهمية هي جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم على ضفة نهر نيسترو
Diana Baetelu, 19.09.2026, 15:30
تأزمت علاقات رومانيا بالاتحاد السوفيتي بعد اتحاد منطقة باسارابيا ذات الأغلبية الرومانية مع رومانيا في عام 1918 وهي منطقة كانت حتى ذلك الحين خاضعة لسيطرة الإمبراطورية القيصرية الروسية . إلا أن حكومة الاتحاد السوفيتي الذي تأسس في عام 1922 لم تعترف باتحاد باسارابيا مع رومانيا رغم اعتراف الحكومات الغربية به. ففي مطلع عام 1924 بدأت المخابرات السوفييتية بالتخطيط لعصيان مسلح ضد الدولة الرومانية تقوده عناصر موالية لها في منطقة باسارابيا بحجة أن الطبقة البروليتارية هناك تعاني جراء التهميش والاضطهاد.
فقد نفذ عملاء سوفييت عمليات عسكرية ضد السلطات الرومانية في بلدة تاتاربونار جنوب باساراببيا ولكن القوات الرومانية قضت على العصيان وأعادت النظام إلى المنقطة . وما لبث حتى واجهت رومانيا تحديا آخر هو قيام ما سمي بجمهورية مولدوفا السوفيتية الاشتراكية ذاتية الحكم على الضفة اليسرى لنهر نيسترو في شرق منطقة باساربيا بمبادرة من الزعيم السوفييتي ستالين نفسه .وكانت الجمهورية الجديدة وقت قيامها جزءا من جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية أما اليوم فاسمها ترانسنيستريا وهي منطقة للانفصاليين الناطقين بالروسية تقع في شرق جمهورية مولدوفا.
المؤرخ إيون زينوفونتوف الأستاذ في جامعة كيشيناو أشار إلى ملابسات قيام جمهورية مولدوفا السوفيتية الاشتراكية ذاتية الحكم:”في عام 1924 وفي أعقاب فشل مؤتمر فيينا بين رومانيا والاتحاد السوفييتي حول منطقة باسارابيا وبعد القضاء على العصيان المسلح للعناصر المعادية لرومانيا في بلدة تاتاربونار جنوب منطقة باساراببيا كثفت قيادة الاتحاد السوفيتي مساعيها الرامية إلى خلق بؤرة توتر دائمة في المنطقة من جهة ونشر الثورة البروليتارية في البلقان من جهة أخرى.
وقد تجسدت تلك المساعي في قيام جمهورية مولدوفا السوفيتية الاشتراكية ذاتية الحكم وعاصمتها بالتا في إطار جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية. بذلك عمل الاتحاد السوفييتي على تحقيق بعض الأهداف السياسية والدعائية تمهيدا لضم منطقة باسارابيا الرومانية كلها إلى جمهورية مولدوفا السوفيتية الاشتراكية ذاتية الحكم وثم إلى الاتحاد السوفيتي . “
حدثنا البروفيسور إيون زينوفونتوف عن ملابسات قيام جمهورية مولدوفا السوفيتية الاشتراكية ذاتية الحكم تنفيذا لاسترايجية سوفييتة واسعة النطاق: “في الرابع من فبراير شباط عام 1924 وقع نشطاء بلاشفة وشيوعيون معروفون في منطقىة باسارابيا مذكرة موجهة إلى قيادة الاتحاد السوفييتي جاء فيها ما يلي: ستلعب جمهورية مولدوفا السوفييتية ذاتية الحكم نفس الدور الدعائي والسياسي الذي تلعبه جمهورية بيلاروسيا تجاه بولندا وجمهورية كاريليا تجاه فنلندا.
وقال المؤقعون على المذكرة أيضا إن الجمهورية الجديدة ستثير اهتمام سكان منطقة باسارابيا وستطرح للنقاش مبررات ضم باسارابيا كلها إلى جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفييتية ذاتية الحكم . وبعد يومين من ذلك أي في السادس من فبراير دعا ميخائيل فرونزي عضو اللجنة المركزية للحزب البلشفي الروسي بطلب من زعيم الاتحاد السوفييتي ستالين إلى ضم جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفييتية ذاتية الحكم إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية. وفي الخامس من سبتمبر أيلول عام 1924 اعتمدت اللجنة المركزية للحزب البلشفي للاتحاد السوفييتي قرار قيام جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفياتية ذاتة الحكم ضمن أراضي جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية.
وقد جاء في وثيقة تأسيس جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية أن حدودها الغربية تشكل حدود دولة الاتحاد السوفيتي. وقد تم ضم تلك الجملة إلى نص الوثيقة بطلب من مفوض الشعب السوفييتي للشؤون الخارجية غيورغي تشيتشيرين . وفي الثامن من أكتوبر تشرين الأول عام 1924 اعتمدت الدورة الثالثة للجنة التنفيذية المركزية لأوكرانيا قرار إنشاء جمهورية مودلوفا الاشتراكية السوفيتية ضمن أراضي أوكرانيا . وكان ذلك القرار بمثابة وثيقة تأسيسية للكيان الإثني الجديد الذي اتخذ من مدينة بالتا ذات الأغلبية الأوكرانية عاصمة له. وفي عام 1929 نقلت العاصمة إلى تيراسبول.”
مع إنشاء جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم في عام 1924 بدأت السلطات السوفييتية بالترويج لما سمتها بالهوية السوفيتية المولدوفية. فبين عامي 1924 و1928 وبعد مفاوضات بين الجانبين السوفييتي والأوكراني بمشاركة الأممية الشيوعية تقرر إعلان السكان الرومانيين في جمهورية مودلوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم ناطقين باللغة المولدوفية بوصفها لغة مختلفة عن الرومانية رغم كونها لهجة من اللجهات الشعبية للغة الرومانية . كما نظرت السلطات السوفييتية إلى الرومانيين في الجمهورية الجديدة بوصفهم مولدوفيين شعبا مختلفا عن الشعب الروماني. واندرجت تلك الإجراءات السياسية والأيديولوجية ضمن إطار السياسة السوفيتية الهادفة إلى توطين ودمج الإثنيات غير الروسية. وفي شهر أبريل نيسان عام 1925 أصدرت الأممية الشيوعية توصية للأحزاب الشيوعية في العالم دعتها فيها إلى دعم التطلعات القومية للمولدوفيين بوصفهم شعبا مختلفا عن الشعب الرومان له لغة مختلفة عن الرومانية.”
الدعاية السوفييتية وصفت جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم بجمهورية للأمة المولدوفية المختلفة عن الأمة الرومانية .ولكن في الواقع كانت أغلبية سكانها من الأوكرانيين والروس:
“نشرت السلطات السوفييتة نتائج تعداد سكان جمهورية مولدوفا ذاتية الحكم لبترير قيام ذلك الكيان. ففي السابع عشر من ديسمبر عام 1926 أجري تعداد سكان الاتحاد السوفيتي فقدر إجمالي عدد سكان جمهورية مولدوفا ذاتية الحكم بناء على نتائج التعداد العام بأكثر من خمسمائة وسبعين ألف نسمة. وبحسب الإحصاءات الرسمية بلغ عدد الرومانيين في جمهورية مولدوفا ذاتية الحكم حوالي مائة وسبعين ألف نسمة أي ما كان يعادل حوالي ثلاثين بالمائة من إجمالي السكان. ومثل الأوكرانيون ثمانية وأربعين فاصلة خمسة بالمائة من إحمالي سكان جمهورية مولدوفا ذاتية الحكم ومثل الروس نحو ثمانية فاصلة خمسة وخمسين بالمائة.
في ثلاثينيات القرن العشرين انخفض مؤشر النمو السكاني الطبيعي في المنطقة نتيجة لعمليات تأسيس التعاونيات الزراعية والتصنيع وموجات المجاعة الممنهجة والقمع السياسي. وأما تعداد سكان الاتحاد السوفييتي لعام 1939 فقد أظهر أن الرومانيين في جمهورية مولدوفا ذاتية الحكم كانوا يمثلون نسبة ثمانية وعشرين فاصلة خمسة بالمائة من إجمالي عدد السكان بينما كان الأوكرانيون يمثلون خمسين فاصلة سبعة بالمائة ومثل الروس حوالي عشرة بالمائة. فمن الواضح أن الرومانيين لم يشكلوا أغلبية سكان الكيان المولدوفي الجديد ذي الحكم الذاتي.”
في شهر يونيو حزيران 1940 ضم الاتحاد السوفيتي منطقتي باراسابيا وبوكوفينا الشمالية الرومانيتين وأقام على أرض باسارابيا جمهورية مولدوفا السوفييتية. بذلك اختفت جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم من الخريطة إلا أنها أعيدت إلى الحياة مجددا إثر تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 تحت مسمى ترانسنيستريا وهي إقليم للانفصالين الناطقين بالروسية في شرق جمهورية مولدوفا أقيم لنفس الغرض الذي أقيمت له جمهورية مولدوفا الاشتراكية السوفيتية ذاتية الحكم في عام 1924.